أمريكا والإسلام في ساحة آسيا الوسطى (2)

في الصراع الدائر الآن بين الولايات المتحدة والمسلمين، الذي تطلق عليه واشنطن الحرب ضد الإرهاب، وعند تنفيذ المخطط رأينا أن الأعداء يكمنون في العراق وأفغانستان والأعداء المحتملين يعيثون في إيران وسورية وحزب الله، فضلا عن السودان، وهو ما يحتم علينا رؤية الأمور بمنظار طبيعي لنعرف أن ذلك المزج بين المصالح النفطية ومعظمها في دول إسلامية، إضافة إلى الضغوط الصهيونية من اللوبي الإسرائيلي ومن الحكومة الإسرائيلية الذي يسفر عن تراجع عربي إسلامي مستمر، بفضل بطش ووطأة الولايات المتحدة الذي اتضح في المفاوضات الأخيرة في أنابوليس وتقسيم المسلمين إلى فريق مسالم، لأنه يتنازل بسهولة، أما الفريق الذي يرفض فهو يحمي الإرهاب ويحارب الأمريكيين دون اعتبار لمصالح العرب والمسلمين. ويقول الأمريكيون إذا كانوا لا يدافعون عن مصالحهم فلماذا أعطيهم؟
في خضم هذه المعركة الاستراتيجية، كما وضعتها إدارة بوش، كان لا بد من وصول الأمريكيين إلى معاقل إسلامية جديدة، وتوجهت إلى ساحة آسيا الوسطى التي تضم ست دول هي: كازاخستان، تركمانستان، وأذربيجان إلى جانب أوزبكستان، قرجيزستان، وطاجيكستان. ونظرا لأن الدول الثلاث الأول ما زالت ترفل في ثياب الروس (نصف سكان كازاخستان من الروس) فإن الحملة الأمريكية تستهدف الدول الثلاث الأخيرة، خاصة أن طاجيكستان تمثل امتدادا عرقيا لأفغانستان وكذلك أوزبكستان التي وقفت أقليتها بقيادة عبد الرشيد دوستم في صف الأمريكيين أثناء حربها ضد البشتون الذين أطلقت أمريكا عليهم طالبان.
وفي لغة الحرب والسياسة يجذب الخصم خصمه مغناطيسيا للنزال، وهي طبيعة بشرية، لأن من يرفض الصراع هو خاسر بلا رحمة، كما قال الشاعر:
فمن يعدم الظفر بين الذئاب
فإن الذئاب به تظفر
فإن دس أنف أمريكا في الدول الثلاث استقطب وجود قوى تعكر صفو الأمريكيين وترفع تكلفة الصراع عليهم. من هنا جاء تغلغل حزب التحرير الإسلامي في طاجيكستان، قرجيزستان، وأوزبكستان، وأعلن الحزب أنه يهدف إلى إعادة الخلافة الإسلامية لتوحيد المسلمين بغض النظر عن مناطقهم وقبائلهم وقومياتهم واختلافاتهم. ويركز الحزب على استنكار الدور الغربي في الأراضي والشؤون العربية والإسلامية ورفض التعامل مع قوى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. ويعلن الحزب أنه لا يدعو إلى العنف، ولكن الأمريكيين يردون على الحزب أنه لا يرفض العنف ضد الغرب، ويبررون ذلك بأن أسامة بن لادن نفسه رجل أعمال ولا يحمل السلاح، ولكنه يمثل صرحا أيديولوجيا ومخططا تنظيميا لأعمال ضد الولايات المتحدة. كذلك يلهث الأمريكيون وراء الحزب لتتبع مصادر تمويله وأنشطته في آسيا الوسطى، ورغم أن أمريكا تميل إلى تشجيع الأحزاب إلا أن الحزب إذا حمل شعارا إسلاميا يصبح خارجا على السياسة، وهو معيار لا يطبق على أحزاب أوروبا الغربية التي تحمل أسماء "المسيحي الديمقراطي"، "المسيحي الحر"، و"المسيحي الاشتراكي" .. إلخ، وهذه قلب مشكلة الحرب الهادئة الآن بين أمريكا وحزب التحرير. ويقول كوهين في كتابه "الإسلام الراديكالي والمصالح الأمريكية في آسيا الوسطى" إن أيديولوجية حزب التحرير "كوهين: أمريكي ـ إسرائيلي" هي زواج بين الفقه الإسلامي والمعتقدات الماركسية اللينينية. ونتيجة لذلك عد الغرب هذا الحزب مجرد بوق دعائي ولم يأبهوا له. وغاية ما يؤرق أمريكا، رغم استخفافها بالحزب، أنه يهاجم النموذج الذي تريد أمريكا تصديره إلى المنطقة باعتباره تجسيدا للديمقراطية الحقيقية. وقد دأبت دعاية الحزب على ترديد الأسلوب الأمريكي في التعامل مع الدول الأضعف الذي يتمثل في حماية من يقدم لهم مآربهم وضربوا أمثلة بسوهارتو وماركوس ونوريجا وصدام حسين وشاه إيران وكلهم قدموا خدمات جليلة لأمريكا، ولكنها تخلت عنهم، بل نكلت بهم بعدما انتهى دورهم. ويزعج أمريكا ظهور حزب التحرير بمظهر المعارض الرافض لأمريكا، ما يكسبه شعبية كبيرة لم تظفر بها الأحزاب التي تشكلها أمريكا لصنع ديمقراطية مستأنسة على حسب هواها.
وتعد الديمقراطية موضوعا شائكا في تعامل أمريكا مع الدول الإسلامية، فالدول الإسلامية تدرك أن ديمقراطية النموذج الغربي نشأت وترعرعت في بيئة مختلفة، وهي نتاج صراع بين مواطن يعمل ومواطن يملك.
ومع اتساع حركة الكشوف الجغرافية وحركة الاستعمار التي تبعتها وامتلاء خزائن الرأسماليين، كل ذلك أدى إلى صراعات داخلية أدت إلى رفض هذه الهيمنة ومظلتها الكنسية، ومن هنا نشأ النموذج الغربي الذي لا يعبر عن أي نوع من التطور في المجتمعات الإسلامية ومعظمها ملتزم بروح القبيلة والمشورة والاستماع إلى رأي الجميع، لكن أمريكا تريد رجالا في إطار برلماني، تثريهم ثم تزرعهم ليحكموا باسمها. وتتحدث أمريكا عما تسميه التبادل الثقافي، ولكن حزب التحرير يذكرها بأن طمس ثقافة المسلم هو غاية هدفها، ومسح عقول نساء وشباب المسلمين هو الهدف الأكبر، فالمسألة لا تبادل فيها، لأن أمريكا لن تقبل أية قيمة إسلامية أو شرقية.
وتصل المعركة حول تفسير الديمقراطية مداها مع الإعلان عن أي انتخابات في دول آسيا الوسطى، فيعلن أنصار حزب التحرير أن ديمقراطية الغرب جاءت نتيجة طغيان الملوك ولا ينبغي تمجيد الديمقراطية لأنها محاولة لمساواة سلطة الإنسان بهيمنة الخالق.
وفي حوار طريف بين الأمريكيين ومؤيديهم في آسيا الوسطى وبين حزب التحرير الإسلامي يناقش الحزب المبادئ الأربعة الأساسية للحرية "حرية الدين، حرية التعبير، الملكية الخاصة، وحقوق الأفراد"، فيقول إن جذور هذه الحريات نشأت عن علمانية نمت في ظل الفلسفة الاقتصادية الغربية، ويدفعون بـأن العلمانية هي جوهر الحضارة الغربية والفصل الكامل بين الدين والدنيا. وبالنسبة للمسلم فإن هذا يعد عزلا للمسلم عن دينه وسن قوانينه الشرعية وإقرار سلطة حكومته.
أما ما يقال عن الأغلبية، فإن التجربة في الغرب نفسه أثبتت أن الأقوى مالا ودعاية ونفوذا هو الذي يحقق تلك الأغلبية، ناهيك عن الأعداد الهائلة التي لا تشارك ويفرض عليها رأي أصحاب السلطة. ويستطرد الإسلاميون بالقول "إن إيجاد نظام يفصل السلطة عن الدين ويبعد الدين عن اتخاذ القرارات يعني رفع البشر لمستوى الإله".
ويدحض الإسلاميون عشق الغرب لنظامهم فيقولون "إن من يختار كافة الزعامات الأمريكية والبريطانية هم كبار رجال الأعمال وأصحاب الشركات العملاقة والاحتكارات الصناعية، أي أن الديمقراطية لا تعني رأي الشعب، بل رأي الرأسماليين".
ويتفق الخبراء والمحللون والمراقبون الأمريكيون مع رأي الإسلاميين في الديمقراطيات التي تم تطبيقها في وادي فرجانا، ذلك أن الأنظمة الحاكمة في طاجيكستان، قرجيزستان، وأوزبكستان تمثل نخبة لا تخدم إلا مصالح القلة، وما زال الرفض الشعبي لهذه الحكومات يذكر بالحكومات الشيوعية الفاسدة التي عقدت تحالفات مع الاحتكاريين.
ويرى الإسلاميون في آسيا الوسطى أن شر ما ابتليت به البشرية هو فكرة الحرية الشخصية التي أدت إلى إشعال نار التنافس بين الدول الغربية الرأسمالية، ما أدى إلى نشوء التمييز ضد بعض العناصر والطبقات الاجتماعية، وهو ما يتنافى مع قيم الإسلام. لقد وصلت الحرية الشخصية بالبعض إلى النزول عن مستوى الحيوانات، غير أن الولايات المتحدة، وهي دولة لا تحركها إلا مصالحها، دأبت على قبول تجاوزات أصدقائها حتى لا يثب الإسلاميون إلى الحكم فتصبح المشكلة أكثر تعقيدا بالنسبة لواشنطن كما حدث في إيران والسودان اللذين تتحرش بهما واشنطن ليل نهار.
وحتى لا ينخدع أحد بالشعارات فإن الولايات المتحدة، إن كان الذي يحكم هو زيد أم عمرو، المهم أن تؤمن نظاما يستجيب لخططها الإقليمية ويؤدي دوره بالنسبة للمنطقة التي يعيش فيها. وآسيا الوسطى هي منطقة استراتيجية في الحرب الباردة القادمة لا محالة بين الصين والولايات المتحدة، التي تعد لها أمريكا من الآن بمحاولة الاستيلاء على نفط العالم حتى تركع بكين أمام إرادة واشنطن. وما علينا إلا ملاحظة عيون العم سام وهي تتحرك بسرعة في مآقيها وراء آبار البترول من دارفور إلى تشاد إلى السودان إلى الخليج إلى بحر قزوين.
ويعتبر الإسلاميون أن قوة أمريكا، التي ينبغي التنبه لها، هي وسائل الإعلام التي تهيمن عليها على مستوى العالم، وبدلا من جعل هذه الوسائل وسيلة للتنوير جعلتها أمريكا بوقا للدعاية ووسيلة لغسيل العقول وتحويل المسلمين عن الإسلام الحق مع اتهامهم في الوقت نفسه بالإرهاب والتطرف. وترمي شبكة الإعلام الأمريكية كما يقول لك كل خصوم أمريكا إلى جعل العالم يعتقد أن المسلمين هم محور الشر ومصدر العنف وأعداء البشرية. ويخلصون إلى أن هدف أمريكا هو القضاء على الإسلام عبر وسائلها المختلفة من تدخل في تعليمه وإسكات صوته وتشويه صورته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي