ثقافة الاستثمار
في العرف السائد أن الإنسان يمارس من العمل ما يجيده ويعرف تفاصيله، فهكذا كان الناس قديما، فيقال إن زيدا أستاذ بناء لا يشق له غبار، ويقال إن عمراًً نجار ماهر، فلا زيد اشتغل بحرفة غير البناء والأمر كذلك لعمرو. ومن هنا يمكننا قياس ذلك على المهن والوظائف المستجدة مثل التحليل المالي والمحاسبة وتجارة قطع الغيار والاستثمار في العقار والتكييف وغير ذلك.
لكن ما لفتني طوال سنوات الطفرة إقدام شريحة لا بأس بها من الناس, ومنهم أقرباء وأصدقاء, على استثمار أموالهم في قنوات أو أنشطة لم يسبق لهم العمل فيها ولا يملكون معلومات كافية عنها، ومثال ذلك ما حدث في سوق الأسهم خلال الأعوام الماضية وما يحدث منذ سنوات، وما زال من افتتاح محال تجارية تستنزف الكثير من المال ويكون مآلها الفشل.
قال لي صديق ذات يوم وهو يستعرض جدوى استثمار مشروع يعتزم وضع ماله فيه, إن الأمر لا يحتاج إلى كل هذا التعقيد فالمحل بحسبة بسيطة سيكلفني هذا القدر من المال، وسيعود عليّ بهذا القدر من المال، هو طبعا لم يقم بدراسة للسوق ولا مسح للمحال المماثلة ولا يعلم على وجه الدقة كم المبلغ الذي سيتكلفه المحل؟ وأين سينفق المال؟ ومن أي تاجر جملة سيشتري بضاعته؟ وما هامش الربح الذي يستطيع المنافسة به؟ ولا يعرف تفاصيل كثيرة مهمة في ذلك النشاط الذي يعتزم وضع ماله فيه.
لكن تجربته تلك ستمكنه في الغالب من جمع معلومات مهمة خلال تأسيسه ذلك المحل وسيواجه مواقف كثيرة تحتاج إلى قرارات خبير سبق له التعامل في هذا النوع من التجارة، لكن تلك الخبرة التي سيجمعها لن تدرأ عنه الخسارة المحتملة. وهنا لي ملاحظة ونصيحة في الوقت ذاته أرجو أن يأخذها كل مستثمر يفشل في مشروعه الأول في الاعتبار, وهي ألا يستسلم عند الفشل, فهو جمع من الخبرة ما يجعله مؤهلا للنجاح في مشروعه الثاني بشرط أن يكون في النشاط ذاته.
عندما يصبح المرء مؤهلا لممارسة نشاط تجاري محدد بعد أن اكتسب خبرات كافية من تجربته الفاشلة الأولى، فإنه يهرب إلى الأمام لممارسة نشاط آخر يحتاج ـ كالنشاط الأول ـ إلى خبرة سابقة, وهو بذلك يكرر الخطأ ذاته، وكان جديرا به أن يصارح نفسه أن كل نشاط مهما كان يحتاج إلى خبرات سابقة إذا لم تتوافر لديه فإن احتمال مواجهته الخسارة كبير.
من الطبيعي أن يخسر أي مستثمر فرد ماله في مشروع لا يعرف أسراره ومتطلباته, لكن المحزن أن يتكرر هذا الأمر أكثر من مرة في أكثر من مشروع، في حين كان يستطيع أن ينجح في مشروعه الثاني في النشاط ذاته بعد أن أصبح من ذوي الخبرة التي كلفته كثيرا.
سُئلت ذات يوم عن أهمية تدريس مبادئ الاستثمار لطلاب الثانوية العامة, وقلت مجيباً: إن تلك المادة أهم من الجغرافيا أو التاريخ وبعض المواد الأخرى التي لا تزيد الطالب ثقافة تعينه على النجاح في حياته، وأضيف هنا دعوة لكل مستثمر جديد أن يثقف نفسه في مبادئ الاستثمار عن طريق القراءة قبل أن يقدم على أي مشروع، فالأمر ليس مالا يوضع فقط، بل دراسة وتفاصيل كثيرة.
كم من المشاريع الصغيرة التي فشلت يا ترى؟ وكم من المال صرف عليها؟ لعل الإجابة عن هذين السؤالين تفتح آفاقا واسعة لكل تلك الجهات التي تعمل على تنمية المشاريع الصغيرة وتطويرها ودعمها, ولا سيما من حيث شمولية العمل، وعدم قصره على من يمنح مساعدة مالية فقط، فهناك أناس كثر يحتاجون إلى الدعم والثقافة الاستثمارية، وتلك الجهات قادرة على منحها إياهم.