هيئة السوق ومشغلو الأموال - المتهم والبريء في انهيار السوق
قصة مشغلي الأموال قديمة قدم الاقتصاد نفسه، بل إن فكرة البنوك بدأت بفكرة تشغيل الأموال وما زالت تعتمد عليها. هناك من لدية المال ولكنه يجهل طرق استثماره، وهناك من يمتلك القدرة على المجازفة وتحمل المخاطر بطرق مدروسة تمثل خلاصة الخبرة والتجربة، وبين ذا وذاك وسطاء أذكياء لا يملكون مالا ولا القدرة على المجازفة ومع ذلك يحصلون دائما على حصة مرضية من الكعكة. وفي السعودية بدأت قصة توظيف الأموال منذ زمن بعيد، وعندما ظهرت الهيئة للوجود كانت السوق تعج بمئات من مدعي الأعمال ومن ورائهم آلاف من الوسطاء والملايين من الضحايا. لم يكن من السهل على الهيئة في سعيها إلى تنظيم السوق المالية (بمفهومها الشامل وليس مجرد سوق الأسهم فقط) أن تبدأ بمواجهتهم جميعا في وقت كانت سوق الأسهم تحتاج إلى الكثير من الإصلاحات وحال الشركات المساهمة يحتاج إلى إعادة تنظيم من حيث سلوكياتها تجاه السوق والمستثمرين. من هنا أجد مبررا كافيا في عدم قيام الهيئة بممارسة صلاحيات واسعة ضد مدعي توظيف الأموال في تلك الفترة المبكرة جدا من تأسيسها. لكن السوق كان لها رأي آخر فقررت أن تبدأ طفرة غير متوقعة لم تمهل معها الهيئة لتعيد ترتيب بيتها من الداخل فارتفعت الأسعار إلى مستويات مذهلة وظهرت ادعاءات أن وراء كل سهم هامور أو مشغل أموال. هنا اعتقد أن الهيئة لم تجد بدا من المواجهة وخاصة مع اقتراب صدور لائحة الصناديق الاستثمارية فسعت إلى إجبار كل مشغل أموال أن يبدأ بالإجراءات النظامية للتحول إلى وسيط استثماري ويخضع للأنظمة الخاصة بذلك.
لم تمض مدة على هذا القرار حتى تضاعفت أسعار العديد من الأسهم ثم انهارت السوق المالية بسرعة خاطفة لم تمهل أحدا حتى يعيد النظر في أوراقه أو يخرج منها ولو برأسماله. في ذلك الوقت وجهت أصابع الاتهام إلى الهيئة لأنها وبقراراتها قد تسببت في انهيار السوق أو تسببت بارتفاع الأسعار إلى مستويات أدت إلى الانهيار ومن تلك الاتهامات، تهمة استفزاز مشغلي الأموال أكثر مما يجب، الأمر الذي تسبب في خروجهم من السوق بسرعة كبيرة وفي تزامن أدى إلى كارثة ومنهم من كان يدير ثروة بالمليارات.
كمراقب للسوق كنت أتابع مثل هذه الادعاءات وكيف دافعت الهيئة عن قراراتها، ومع ذلك بقي الدليل على أن خروج مشغلي الأموال أدى إلى انهيار السوق ودور الهيئة في ذلك موضع تساؤل كبير عندي.
القضية أن معظم مدن السعودية ومناطقها قد عانت من عمليات توظيف الأموال، لكن بعضا من تلك القضايا وجدت تغطية إعلامية كبيرة نظرا لحجم الأموال التي تعرضت للإتلاف. وتلك القضايا قضية شركة رزق العالمية التي اتخذت من مدينة أبها مركزا لنشاطها فقد بلغ مجموع الأموال التي تعرضت للإتلاف ما يقارب المليار و600 مليون ريال وهو مبلغ باهظ جدا على الأقل بمعايير دخلي البسيطة. لكن المثير في هذه القضية هو ما أثاره صاحب الشركة مشغل الأموال من أن الهيئة منعته من إعادة هيكلة الشركة والتحول إلى وسيط في السوق المالية وفق ما تمليه الأنظمة. هنا اتهام للهيئة أنها تسببت في خروج الأموال من السوق المالية السعودية بل والأخطر هو في أن عودتها إلى السوق أصبح أمرا مستحيلا.
لكن وبعد أن تم القبض على معظم مشغلي الأموال ومنهم مدير شركة رزق العالمية بدأت الكثير من الأمور تتضح مع تسرب نتائج التحقيقات، والمثير في الأمر أن نتائج هذه التحقيقات تشير إلى أن معظم مشغلي الأموال لم يدخلوا سوق الأسهم السعودية أبدا وأن ما تم تناقله بين أواسط الناس حول سيطرة فلان على سهم شركة كذا حتى وصلها إلى سعرها إلى كذا لم يكن إلا تكهنات لم يسندها دليل. فكما هو واضح من نتائج التحقيقات أن معظم مشغلي الأموال لم يكن لهم دراية بسوق الأسهم ولم يتعاملوا معها لا قبل الانهيار ولا بعده. وبذلك فإن قرار هيئة السوق المالية بالضغط على مشغلي الأموال وعدم السماح لهم بالتحول إلى وسطاء إلا وفق شروط نظامية صريحة وواضحة كان فيه حماية للسوق ولم يتسبب أبدا في خروجهم منها أو انهيارها كما كان يدعى.
ونتيجة لذلك فإنني أستبعد تماما أن قرارات الهيئة بإيقاف مدعي تشغيل الأموال هي من أسباب انهيار السوق، وأرى أن قرارات الهيئة كانت صحيحة وفي وقتها بل جراءة كبيرة وكانت بناء على معلومات حقيقية من السوق المالية نفسها وليس من ادعاءات المستثمرين.
القضية الأهم هي كم من الأمور نعتقد الآن وجودها وتأثيرها وليس لها حقيقية في الواقع وهي محض خيال لنبرر بها إخفاقنا في قراءة السوق وأخطاءنا في التحليل الأساسي والفني أو عدم قدرتنا على اكتشاف الأساليب التي تناسب السوق السعودية.