(المجتمع السعودي) .... ليس صامتا!
بعد صدور نظام القضاء وديوان المظالم الجديد من المقام السامي أريد توضيح أهداف المقالات الثلاث التي تحدثت فيها عن أهمية استقلال المحاماة وعن هيبة الدولة وأهمية الطرح الإيجابي حفظاً لحقوق المواطنة وكذلك تعريف بالوجبات المفروضة على المواطن تجاه الوطن، وسوف أتفاعل كذلك مع ردود البريد الإلكتروني وملاحظات زملاء مهنة المحاماة، فمنها ما هو منطقي ومقبول ويمكن النقاش معه في إطار الرأي والرأي الآخر، ومنها ما هو اختلاف جذري في الطرح سوف اتركها للمستقبل حيث الوقائع تفرض نفسها على أرض الوقع في القريب العاجل.
لذلك أقول إلى وقت قريب كنا نوصف لدى المجتمعات الغربية بأننا (مجتمع صامت) لا يستطيع أن يعبر عن حقوقه الاجتماعية والسياسية، وفي رأيي الشخصي لم يكن سببه الخوف فقط من التعبير (المطلق)، بقدر ما هو ضوابط للمنهجية الإعلامية لدى الدولة والمجتمع في ذلك الوقت، حيث كنا ننتهج منهجاً (محافظا)، كما أن أغلب الطرح الإعلامي في ذلك الوقت ليس لديهم الكثير مما يقولون خارج إطار البناء التأسيسي للمجتمع والاقتصاد.
غير أن الجيل الثالث من المجتمع السعودي، هو جيل متفاعل مع الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ويحب أن يشارك في المقارنات الإيجابية والسلبية لجميع الخطط الخمسية السبع السابقة، وهو كذلك جيل قادر على الدفاع عن مكتسبات النسيج الوطني والحفاظ عليها، فالوطن كله يسير ضمن (الطرح الإصلاحي) ولكن من الداخل! وليس مفروضاً علينا من الخارج ! والمواطن الصالح هو الذي يدافع عن حقوق (العامة) وليس المصالح (الخاصة)، ويوازن إثر الصالح العام في تفاعله من الداخل على الموثرات من الخارج.
نعم نحن بحاجة إلى التغيير في كل مرحلة من مراحل الخطط الخمسية، حتى الحكومة تتغير في اعتمدها لمنهج التغير، وأصبحت تضع في حسبانها التغيرات الاجتماعية والسياسية علي قدم المساواة مع التغيرات الاقتصادية، لأننا ندرك بمن فيهم الموجودين في المراكز العليا لصنع القرار، أن أسلوب التغير التدريجي مناسبة لمنهج المرحلة المقبلة.
لذلك حينما ذكرت في مقالي أهمية استقلال المحاماة وتطرقتُ إلى موضوع القضاء لم يكن له ارتباط بتصورات العولمة أو الإصلاحات الغربية، بل كنتُ أتفاعل مع جهود زملائي المحامين، وأن ألقي الضوء بصورة عكسية على جهود وزارة العدل السعودية ودورها الإيجابي في الحراك القضائي التي تسير وفق متطلبات المجتمع المدني، خاصة أن عهد الوزير المتوثب معالي الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ أخذ مسارا تصاعديا في كل سنة من سنوات الوزارة، وكذلك أسجل تقديري لدور الجنود المجهولين في الوزارة من الوكلاء والمديرين العامين بدفعهم الجهود التغير للقضاء في السعودية، ولعل إسهامات التغير السابقة تتمثل في الحاسب الآلي والسجل العقاري ونظام المحامين ونظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية، وجهودهم بتفعيل التكامل العدلي بين القطاعات القضائية والتنفيذية، إضافة إلى دورهم في التنظيم القضائي الجديد الذي صدر، وأهمية النظام الجديد أنه متكامل ويستوعب كافة التشريعات الجديدة للدولة خاصة في مجال المحاكم التجارية وهما عصب الحياة الاقتصادية، كذلك فإن مقالي السابق ينصب على الطرح الإيجابي لدور المحاماة في السعودية ليتم وضعنا على مسار التصحيح الإجرائي ولا (نغفل) ونترك للمراحل المستقبلية.
أن تنظيم القضاء قد يجد معارضة وصدوداً من الذين يرونه يتناقض مع سلوك وعادات قضائية راسخة، وهو على عكس من ذلك فإن جهود وزارة العدل ومجلس الشورى تسير لإقرار (نظام متكامل) نابع من التنظيم المتحضر والهادف إلى روح الإخاء والمساواة والرفاهية من أجل مجتمع تتسع فيه فرص التسامح والمحبة والعدل.
وموضوعي الآخر حول مقال (الوزراء) ودورهم في تفعيل قرارات مجلس الوزراء، وتقليل أثر أنظمة منظمة التجارة العالمية وارتفاع الأسعار العالمية على واقع السعودية داخلياً، ومدى قدرة الوزراء على إحداث هذه المتغيرات ضمن سياسة الدفع (بكرة التغير) الوحدة تلو الأخرى، دون حدوث ضجيج اجتماعي أو اقتصادي بصورة تعطل فيها أهداف الخطة الخمسية الثامنة الموضوعة. وبعد هذا التوضيح حول المقالات السابقة، أريد أن أطرح كذلك قناعة الجانب الغالب من المجتمع حول بعض الآراء الوطنية التي نختلف معها، فليس الإعلام الخارجي منبراً للتغيير، وصدي البيانات السياسية ليس سوى اختلاف في طرح خاص (لمجموعة) وليس عام للمجتمع حيث تدور في حلقة دائرية داخل الإنترنت، وأثرها لن ينعكس علي الواقع الاجتماعي للأسباب التالية:
سياسياً، يمكن اعتبار (السعودية) نموذجاً لدولة فريدة في المنطقة ابتداء من التسمية (سعودي) وانتهاء إلى الاستقرار الأمني والاجتماعي منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى، فالسعودية هي الدولة الإسلامية والعربية الوحيدة في منطقتي غرب آسيا والشرق الأوسط التي يتكون نسيجها الوطني من رعايا 13 دولة عربية و19 دولة إسلامية يحملون جنسيتها ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة وفق نظام الحكم والجنسية، أما بخصوص (التسمية) فهو نهج تاريخي موغل في القدم في الجزيرة العربية، وكانت الأمم الإسلامية تسمى باسم خلفائها من الدولة الأموية ثم العباسية إلى آخر الخلافة العثمانية، وفي العصر الحديث هناك دول ما زالت تحتفظ باسم ملوكها وفرسانها، مثل دولة قطر التي نسبت إلى الفارس والشاعر (قطري بن الفجاءة التميمي) من القرن الهجري الأول، ومحافظة حضرموت سميت نسبة إلى (حضرموت بن عامر بن قحطان)، واسمها في الأصل (عاد) تم ذكرها في القران (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف) والكويت كانت في الأصل تسمي القرين ثم سميت باسم قلعة تصغيرها كوت بناها (ابن عريعر)، والإمارات العربية المتحدة سمت تخليداً بإنجازات المؤسس الشيخ زايد بن نهيان رحمه الله تعالى.
اقتصادياً، تجربة النموذج السعودي في التنمية تأخذ المسار التصاعدي، ففي غضون عقود ثلاثة من الزمن تحولت السعودية من البداوة (المطلقة) إلى مجتمع (مدني) متجانس من جميع الأمم الإسلامية.
ختاماً يجب أن نتذكر واقع الجزيرة العربية قبل عام 1932 م، ثم علينا أن نتذكر أثر التقلبات الحادة التي مرت بها أسواق النفط خلال عقد الثمانينيات والربع الأخير من التسعينيات التي أثرت في هبوط الإيرادات وما انعكس أخيراً على الإنفاق الحكومي، الذي كان ولا يزال المحرك الفعلي للنمو الاقتصادي، فكانت تجربة الركود أنه (اختلال) مؤقت في مسيرة التنمية، وبما أجبر الحكومة والفعاليات الاقتصادية على التعلم من المعطيات المالية السابقة، والاستفادة من الدخل العالي للسنوات الحالية، وإنفاقها ضمن سياسة طويلة الأمد للأجيال المقبلة.