لمصلحة من يعمل البيروقراطي؟

[email protected]

المسؤولون البيروقراطيون أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها كل دولة وكل نظام اجتماعي. حيث يعمل البيروقراطيون من خلال قيادتهم لمختلف القطاعات العامة على إدارة النظام الحكومي ككل من أجل تحقيق أهداف وخطط التنمية الاقتصادية للدولة. وتثير الكثير من الأدبيات في مجال الخيار العام Public Choice Theory تساؤلات عن الأهداف الأساسية الشخصية للبيروقراطي. فهل يحمل هذا البيروقراطي في داخله مقداراً كافياً من الإيثار Altruism تجعله يعمل على تغليب مصلحة النظام العام ككل والحرص على تعظيم المنفعة الكلية للمجتمع. أم أنه يعمل إلى تغليب مصالحه الخاصة من خلال العمل على الاستئثار بعملية اتخاذ القرار، مما يؤدي إلى اكتساب النفوذ والسلطة لتحقيق مصالحه الشخصية. الشواهد والأبحاث التجريبية تؤكد أن البيروقراطي يعمل على تحقيق أهدافه الشخصية، مما يتطلب المزيد من عملية الرقابة على أعماله، حيث أظهرت إحدى الدراسات ارتباطا بين حجم الجهاز الذي يعمل فيه البيروقراطي وبين العوائد المالية التي يتحصل عليها من خلال عمله في هذا الجهاز، مما يؤكد النظرية الأخيرة المتعلقة بالبحث عن المصالح الشخصية. والأمر يكون أعقد في كون عمل البيروقراطي يتطلب استقلالية كاملة في عملية اتخاذ القرار وبعداً عن التأثير السياسي وتأثير أصحاب المصالح الخاصة كعمل البنك المركزي في الدولة. فالبنك المركزي يعمل على استخدام السياسة النقدية من أجل تحقيق الاستقرار النقدي والمالي للدولة وبحيث لا يكون لأصحاب المصالح الخاصة أو للقرار السياسي أي تأثير فيه، وإلا فإن هذه الاستقلالية تصبح منقوصة ويصبح عمل البنك المركزي وسياسته موجهة لخدمة فئات معينة، ومما ينفي بالتالي أي مصداقية لعمل البنك المركزي. وتأثر مصداقية البنك المركزي من أخطر الأمور التي يمكن أن تهز النظام النقدي في الدولة، إذ إن ذلك سيترتب عليه انخفاض الثقة في عملة الدولة التي تمثل وعداً من البنك المركزي نفسه، فإذا انتفت مصداقية البنك المركزي، انتفت معها الثقة في العملة التي يصدرها هذا البنك.
والقرار الذي اتخذه الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض سعر الفائدة الأمريكية وتخفيض سعر الخصم لدى الاحتياطي بواقع نصف نقطة مئوية أثار الكثير من الاستهجان والسخط وذلك على الرغم من انعكاسه الإيجابي على الأسواق المالية. والسبب في ذلك هو اتهام هؤلاء الساخطين على هذا القرار للاحتياطي الفيدرالي ولرئيسه بيرنانكي بالتحديد بأنه يسعى لحماية المستثمرين من خلال خفض قوي أكبر من المتوقع مما أدى إلى تعزيز الأسواق المالية وتعويض هؤلاء المستثمرين للخسائر التي منوا بها خلال الأسابيع الماضية. بينما لم يتحرك الاحتياطي لعمل أي خفض لسعر الفائدة عندما بدأ الكثير من المواطنين الأمريكيين بيع منازلهم جراء انهيار سوق الرهن العقاري. وذلك على الرغم من أن تحرك الاحتياطي الفيدرالي في خطوة استباقية - بتخفيض سعر الفائدة والتضحية بسياسته المتعلقة باستهداف التضخم - كان ذلك سيؤدي إلى تجنيب الاقتصاد الوقوع في مشكلات سوق الائتمان ومن ثم التهديد بالنزول إلى منحدر ركود اقتصادي شديد. وفي كلتا الحالتين - التخفيض الاستباقي أو التخفيض الحالي - فإن الاحتياطي قد ضحى بسياسة استهداف التضخم، مما يثير حنق الكثيرين على تصرف الاحتياطي على اعتبار أنه استجاب لانهيار الأسواق المالية بينما لم يستجب لانهيار أسواق الرهن العقاري التي مثلت الشرارة الأولى للمشكلات الحالية، والتي لو أطفئت لتجنب الاقتصاد العالمي كل المشكلات التي يشهدها حالياً من انعدام الثقة وتفاقم الأزمات المالية بين البنوك.
هذا الأمر يثير الكثير من التساؤلات عن كيفية تجنب استهداف السياسة الاقتصادية العامة للدولة مصالح فئات معينة على حساب الفئات الأخرى. ففي أكثر الأجهزة الحكومية استقلالية برز بشكل واضح لا غبار عليه أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كان يحاول حماية نفسه من انتقادات المستثمرين، وفي الوقت نفسه كسب دعمهم، بحكم أنهم أكثر الناس مراقبة لأعماله. بينما لم يتحرك عندما كان الأمر يتعلق بعامة الناس الذين باعوا منازلهم على إثر ارتفاع سعر الفائدة المتكرر خلال السنوات الأربع الأخيرة. وكأن الاحتياطي الفيدرالي وأعضاءه صموا آذانهم عما يواجهه هؤلاء من خسائر وفتحوا قلوبهم عندما تعلق الأمر بالمستثمرين في أسواق الأسهم.
والدرس الذي يجب أن نتعلمه من ذلك أن توازن القوى الضاغطة في أي مجتمع يجب أن يكون متوازياً ومتوازناً، بحيث تقوم هذه القوى بعملية الرقابة على عمل البيروقراطي للتأكد من خلوها من استهداف المصالح الشخصية، وفي الوقت نفسه ضمان عدم اجتذاب البيروقراطي لفئة معينة على حساب الأخرى. والتوازن في حالة القرارات الاقتصادية ينعدم بين المستثمرين والمواطنين المستهلكين، حيث يتميز المستثمر بوفرة المعلومات وتوافر التنظيم الذي يساعد على زيادة قوته الضاغطة من أجل استجلاب المصالح. بينما لا يتوافر للمستهلك هذا القدر من التنظيم والمعلومات مما يجعل القرارات الاقتصادية دائماً تصب في صالح المستثمر. والحل لذلك يتم من خلال المنظمات الأهلية الممثلة للمستهلكين بجميع أطيافهم والواعية بالشأن العام والقادرة على الحصول على المعلومات اللازمة لاستعادة التوازن المطلوب بين المستثمر والمستهلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي