ثوابت الإعلام الإسرائيلي
ملأنا الدنيا ضجيجا بالحديث عن التفوق الإعلامي الإسرائيلي، وقدرة جماعات الضغط الموالية لإسرائيل على إحداث تأثيرات جوهرية، منها كسب الرأي العام الأوروبي والأمريكي لصفها عبر معارك طويلة مع العرب، ونجاحها في تشويه صورتهم، فضلا عن إسهام بعض العرب والمسلمين في ذلك. ولكننا لم نتوقف للتعامل المتزن مع هذه الأنشطة المستمرة التي تستهدف مستقبلنا وتهدد أبناءنا.
إن البديهية الأولى في الألعاب النزالية أو الشطرنج أو الحرب النفسية أو الفعلية هي تقييم مواطن قوة وفاعلية خصمك. ومن هنا وجب علينا أن نتناول بالتحليل مكامن الخطر، ومن هنا نبدأ.
يعتمد الإعلام الإسرائيلي على عدة فرضيات ومقومات هي: أولا: إن إسرائيل دولة ديمقراطية في صحراء دكتاتورية، وإنها بذلك تمثل الغرب ونمطه المعيشي والسياسي، ولأن قطعان المتلقين للإعلام لا تناقش التفاصيل، فقد شرب العالم اللعبة، وأصبح كل ليبرالي مؤيدا لإسرائيل، بل اعتبروها مؤججة لنيران الحرية الخامدة في الشرق الأوسط.
ثانيا: إنها معرضة للدمار والقتل من جيرانها الذين سيلقونها في البحر، فكسبت بذلك تعاطف كل من يقف مع الضعيف ضد القوي المتجبر. وقد أسهمنا نحن في ذلك بقوة وبفضل التصريحات العنترية غير المحسوبة، التي أدت بنا إلى هزيمة 1967 والتي ما زالت رزاياها تطاردنا حتى الآن.
ثالثا: أسطورة الهولوكوست، أي المحرقة التي تعرض لها اليهود على يد ألمانيا النازية. وهي قصة فريدة، إذ لم يحدث في التاريخ أن تمت إدانة شعوب بأكملها من الأسلاف إلى الأخلاف ومن الأجداد إلى الأحفاد بسبب حدث تاريخي حدث مثله ألف مرة. والدليل أننا لو قلبنا صفحات التاريخ فسنجد قصصا مهولة من طغيان القوي ضد الضعيف. وإذا اخترنا نموذج روما التي فرضت على العالم بناء الطرق وسخرت الأسرى في العبودية ودفع ثمن ذلك كل شعوب أوروبا القديمة، أو ما فعله القياصرة ومن بعدهم الشيوعيون في روسيا وما حولها، ناهيك عما فعله اليابانيون في كوريا والهند الصينية، وما فعله الأمريكيون بسبعين مليون إفريقي، مات منهم عشرة ملايين في المحيط والتهمت جثثهم أسماك القرش. لماذا لا نقف أمام هذه الدول ونطالبها بما فعلته بالأجداد كما يفعل الإسرائيليون؟ ولماذا لا يعوض الأفارقة كما هو الحال بالنسبة لليهود؟ ولماذا يتوجع الغرب من ضميره إزاء اليهود ولا يتوجع إزاء الملايين التي ذبحها ودمرها طوال رحلاته الصليبية وحملاته الاستعمارية؟
وقد بلغ النفوذ اليهودي أو الصهيوني درجة فرض عقوبات في قوانين دول أوروبا لمن يتجرأ على إنكار الهولوكوست، مع ترنم اليهود بحرية الرأي التي يريدونها لهم فقط.
رابعا: تهمة معاداة السامية وهي البطاقة الحمراء التي تشهرها إسرائيل وأعوانها في وجه من يتجرأ على نقد إسرائيل. وكلما شعر اليهود بصدق وقوة منطق طرف نجح في تفنيد أكاذيبهم أو تعرض لمسلماتهم سارعوا إلى اتهامه بمعاداة السامية. ومع أن العرب ساميون إلا أن أبواق الدعاية اليهودية احتكرت هذه الصفة لليهود فقط.
وقد أصبح مَن يعادي السامية كمن اقترف أشد الآثام ووجب عليه أن يقف موقف المدافع ليدرأ عن نفسه هذا الاتهام الخطير، وعندما يتحول المهاجم أو المدعي إلى مدافع أو مدعى عليه يفقد المباراة ويخسر اللعبة.
ومن أجل برمجة سليمة لإيقاف الحرب النفسية وحرب الكلام اليهودية في مواجهة إسرائيل وزبانيتها في العالم يجب تقويض هذه المسلمات والافتراضات والادعاءات والتهم التي تآكلت مع الزمن وتداعت أمام التفنيد الهادئ.
يجب مواصلة التفنيد والمقارنة الدائمة والتحليل المستمر للسلوك العدواني وعرضه بقوة إلى أن يخجل الأنصار ويعرف المحايدون الحقائق. وذلك بتحطيم الفرضيات الأربع المذكورة.
إن عملية البرمجة مستمرة ومكلفة وشاملة وتنافسية وتغطي الوسائل كافة وتتناول القضايا كافة عبر المتاح والمناسب. ويجب إعداد نخبة مميزة تحسن شرح التاريخ وعرض الحاضر وعلى حكوماتنا ألا تدع مجالا لإسرائيل لتنفذ من ثقوبنا وتحاربنا بأخطائنا.