الزئبق الأحمر .. يكشف عورتنا
ارتبط اسم سنجر في ذاكرتي بوالدتي ـ حفظها الله ـ وبجدتي ـ رحمها الله، ففي طفولتنا لم يكن هناك مشاغل نسائية متخصصة ولا محال الخياطة التي غزت البلاد فيما بعد من قبل العمالة الباكستانية، ومازلت أتذكر شجن ماكينة الخياطة عندما تعمل، التي عاصرت شخصياً عدة أجيال منها اليدوي والكهربائي والدبل والطاولة, وقد كان آخرها (للأسف) النوع المطور البلاستيك الكهربائي.
كنت أعرف محال بيع مستلزمات الخياطة جيداً، حيث كنت المكلف من قبل الوالدة ـ رعاها الله ـ بشراء المستلزمات من إبر وخيوط، وإصلاح الماكينة، وكان أكبر تطور شهدته هذه الصناعة في رأيي عندما توقفنا عن الشراء المتكرر من الديرة، وحولنا المشوار إلى الملز حيث كنا نسكن، ثم إلى شارع الضباب حيث ملك أدوات ومستلزمات الخياطة "المحيسن" .
انتهت علاقتي بمكائن الخياطة قبل ما يزيد على 15 عاماً، عندما توقفت الوالدة عن الخياطة، وبقيت علاقتي السنوية بالخياطين عندما أفصل كسوة الشتاء وكسوة الصيف لا غير، لم أكن أتوقع أن أعود إلى الخياطة وإلى مكائن سنجر وإلى ذكريات الديرة والمحيسن .. عبر الزئبق الأحمر.
بدأت كذبة الزئبق الأحمر مع بداية الشهر, مؤكدة كذبة أبريل التي يتمازح بها كثير من الناس، ولكن الزئبق المشار إليه لم يكن مزحة بل كذبة حقيقية صدقها الجميع، وحقيقة لم أصدق ما يقال حتى رأيت بأم عيني تقريرا تلفزيونيا سمعت فيه المزايدة على ماكينة خياطة قديمة تالفة تصل إلى ما يزيد على 20 ألف ريال، وتقديرا لقيمة ماكينة أخرى يصل إلى ما يزيد على 50 ألف ريال، لست ألوم من يبيع (فكما يقال . . رزق الهبل على المجانين)، ولكني أشفق على من يشتري، وللأسف إن ما يحدث بعد ذلك أن الجميع يصدق ما يجري، فيصبح المشتري يبيع ما يشتريه، وتتحول المكائن الخردة إلى ثروة ثم إلى سلعة لها قيمة ويتحول الحراج إلى بورصة لها سعر تفتتح به وسعر تغلق عليه.
ما الذي يجعل شائعة سخيفة وغير عقلانية مثل قصة سنجر والزئبق الأحمر تسري في مجتمعنا السعودي مثل انتشار النار في الهشيم، لا أشك لحظة في أن الجهل سيد الموقف، والرغبة في الثراء السريع تحركه، والعقلية الاستثمارية الهشة كانت هي الأرضية التي طارت به في الآفاق.
ما حدث ولا يزال يحدث نتيجة رئيسية لعدة عوامل، أرتبها كما يلي:
1- الجهل المطبق في المجتمع من الناحية العلمية والاقتصادية.
2- الرغبة الجامحة في الثراء السريع.
3- تجنيب العقل وتصديق مخالفات المنطق.
4- سرعة سريان الشائعة في المجتمع وأثرها المدمر.
5- الدور المباشر لوسائل الاتصال في سريان الشائعة بسرعة وفاعلية، خاصة الاتصالات ورسائل الجوال والإنترنت.
6- سيادة ثقافة القطيع، وموت مع الناس رحمة، وحشر مع الناس عيد.
إن قصة سنجر والزئبق الأحمر قضية محورية اجتماعية اقتصادية، تستحق أن يقف عندها الباحثون، ويجب أن يقف أمامها المصلحون، إذا تأملت في هذه القضية فإنني أجدها استمرارا لقضايا الاستغفال الأخرى التي تمت, بل إني أرى أن قضية (سوا) أكثر منطقية منها، وقضايا العيد والجمعة أكثر قبولا منها، الفرق هنا أن البيع يتم عن طريق إغراء المشتري، فالمنصوب عليه هو من يحفزك للنصب عليه، والفرق الثاني أنها عملية نصب حقيقية ولكن دون وجود للنصاب، فالبائع أخذ قيمة البيع وانتهت العملية، الفرق الثالث لا توجد مستندات ولا صكوك ملكية, فالسلعة ماكينة خياطة تالفة، والقيمة نقداً، والمكان حراج أو على الرصيف، والبائع والمشتري مجهولا الهوية، والمتهم إذا وجد مجهول.
أراهن على أن المتاجرين في هذه المكائن لا يعرفون الزئبق الأحمر وهل هو سائل أم صلب؟ وهل هو أحمر أم أزرق؟ ولكنهم يتحدثون كخبراء ومتمرسين في الفيزياء والعلوم, فالزئبق الأحمر يستخدم في الصناعات النووية، كما أنه يباع إلى السحرة لإخراج الجن من الإنس، كما أن الكمية المتاحة منه في العالم محدودة للغاية، وتبحث عنه عصابات المافيا الروسية، والشركات المنتجة للأسلحة . . خزعبلات تبدأ ولا تنتهي .. ولا يسعك أمامها إلا الضحك .. ولكنه مع الأسف ضحك كالبكاء.
مسلسل المضحكات المبكيات لن يتوقف، ما دامت الشائعات هي البريد السريع لهذه الأحداث، والمساهمون في رواج هذه الشائعة كثيرون من أهمهم ناشروها الذين يتراسلون بهذه الأخبار عن طريق رسائل الجوال، ولا أبرئ وزارة التجارة والجهات الأمنية, التي يجب أن تقف أمام كل شائعة بقوة من حيث إيقافها وبيان الحقائق، وإن كان المتهم الحقيقي لهذه الشائعات هم نحن, أفرادا ومجتمعا، حيث نعلم أنها كذبة ولكننا نصدقها أملا في الثراء السريع، ونورط بها غيرنا عن طريق إشاعة الكذبة، وكما يقال "حدث العاقل بما لا يليق فإن صدَق فلا عقل له" . . وإلى قصة جديدة .. يضحك العالم فيها علينا .. فما زال الجهل مطبقاً .. والضحك على الذقون مستمراً .. ويشتكي النصاب .. والمتهم مجهول.