بخيل يا فن!
إذا كان أهل الفن على هذا القدر من البخل كما يشاع عنهم، فلا غرابة أن يبادلهم الفن حضوره بالطريقة ذاتها. فالفن يا سيدي القارئ الكريم كائن حي يتنفس ويتغذى ليتنامى نتاجاً حاضراً.. يؤثر ويتأثر. والمتهمون بالوسط الفني السعودي كثر، ولا أحسب أن الإخفاق المتتالي في حفظ الحقوق الأدبية الذي تظهر تداعياته على سطح صفحات الصحف اليومية إلا صنفاً من صنوف البخل الأدبي المؤثر والفاتك ببواكير عطاءات كل موهوب. المهم، هل نستطيع الفصل بين البخل المادي والبخل المعنوي؟
الجواب: نعم!
فالبخل المادي تسهل قراءته من البدايات، وله من الأثر المحبط الشيء الكثير، وقد يدفع بالسواد الأعظم من المواهب الشابة إلى الانعزال والانشغال بغير الممارسة الفنية حفظاً لنفس مرهفة وحماية لشعور لا يجيد تفادي التحسس. وقد شاع في الوسط الإعلامي والفني محلياً وعربياً، ولله الحمد، أن أهل الفن السعودي في الغالب هم زمرة من البخلاء المشاهير. وهؤلاء بالمناسبة لم يدركوا بعد أن سلوكهم هذا هو السبب في أزمة المبدعين من كتاب نص وكتاب سيناريو ومخرجين وصناع نجاح حقيقيون. ولمّا كان الفن يقف شاهداً على كل هذا، كان لزاماً عليه ككائن صاحب مبدأ أن يبادل هؤلاء البخل بالبخل، وأن يستكثر عليهم لسنوات طويلة فكرة التأسيس لصناعة فنية شاملة من هيئات تحفظ حقوق الجميع وجمعيات تطالب بحقوق للجميع ومؤسسات فنية تنهض بمفهوم الصناعة لصالح الجميع وقوانين تدفع بعجلة العطاء الإبداعي للأمام حتى في أحلك إضاءات الظروف. وللتبسيط أكثر أقول إن المسألة كالتالي، بينما كانت الفرصة خلال الثلاثين عاماً الماضية متاحة لمهمة تنوير فني عملاقة من خلال شراء مولد كهربائي عملاق يضيء للجميع مساحاتهم، اكتفى من أنيبوا عنا دون علم منا بشراء عدد من السراجات أو "السرج" الصينية الصنع والتي تضيء منطقة ضيقة جداً أمام وجه كل واحد من هؤلاء "المتفنفنين" البخلاء.
ختاماً، تبقى من أهم "حسنات" البخل المادي الظاهر منذ البداية أنه يترك الخيار للمبدعين الحقيقيين الذين يقتات عليهم المشاهير حرية الاختيار بين الخروج بأقل الخسائر الممكنة وبين الانصياع أدباً وتهذيباً وراء إتمام المهمة! والخيار الأخير هو في الحقيقة السبب الرئيس وراء تنامي ظاهرة استمراء مشاهير الفن السعودي لممارسة البخل وتوريثه وإكسابه للحركة الفنية بكاملها. وهنا سألعب دور الواعظ، لا الوازع، وأقول لكل موهبة شابة: راقب الوضع جيداً، واحذر من علامات الاستغلال الظاهرة في كل خطوة، ولا تترك فرصة لجمال روحك في اقتيادك إلى هلاك عطائك وتوقيع وثيقة نهايته.