الانتهازيون .. تجار الأزمة

وجد كثير من الفاشلين متنفساً عميقاً في الأزمة المالية العالمية، حيث وجدوا فيها أعذارا وحججاً لمشاريعهم الخاسرة وإداراتهم الفاشلة، فأخذوا يحيلون الفشل والخسائر والإخفاقات أيا كان سببها إلى الأزمة برغم عدم علاقتها بأنشطتهم من قريب أو بعيد!!

يترقب كثير من المستثمرين "الحاذقين" الفرص التي يحلمون بها كل صباح، ويأتي المساء ولا يتحقق الحلم، يتوقع كثير من "الانتهازيين" أن يحصلوا على مشاريع تساوي الملايين ببلاش أو "بأخو البلاش"، ولا يغيب عن بالي أحد المستثمرين الذين يهاتفني كل أسبوع يسأل عن " أبو ألف هل يجده بخمسة" يقصد ريالات !!!
وأحمد الله أن مثل هذه الفرص غير متوافرة، وأتمنى من الله ألا توجد لأن فيها من الأنانية وتمني الضرر للمسلم ما لا يقره دين ولا خلق ولا عرف، عندما نرفع شعار "في ثنايا الأزمات تظهر الفرص" يأتينا كثير من الاتصالات حول هذه الفرص التي تتوقع أن كنز علي بابا في الاستقبال، ولم يتبق إلا إطلاق كلمة السر .. "افتح يا سمسم".
هذه الفرص ليست استثناء من طريقة تفكيرنا الاستثماري، وثقافتنا الاقتصادية، التي تتوقع الذهب والألماس من دون بذل المجهود للحصول على النحاس، وتأمل في الملايين عن طريق بيع الأفكار من دون أدنى مجهود، وتجادل في العمولة عند طلب رقم الهاتف.
وليس معنى ذلك أن الفرص الانتهازية الاستثنائية لن تظهر، حيث سيضطر أصحاب المشاريع من المدينين للبنوك أو لغيرهم إلى بيع مشاريعهم أو عقاراتهم وأصولهم نتيجة عدم قدرتهم على سداد هذه الالتزامات، وهنا يبرز سؤال كبير بحجم هذه الصحيفة، هل يمكن لهؤلاء أن يتجنبوا ذلك وإنقاذ أنفسهم من المقصلة التي ترتقبهم؟
وإجابتي عن هذا السؤال وبكل ثقة .. أن تجنب هذه المقصلة ممكن، ولكن لن يتم ذلك بالتفاؤل غير المنطقي أو بأحلام اليقظة وبالاسترخاء على الكراسي الوثيرة، ولذلك على المتورطين في الديون والالتزامات المالية للبنوك أن يلجأوا إلى العمل الجاد والتخطيط المسبق والجهد الدؤوب قبل وقوع المصيبة وحلول الأجل، بدلاً من التفاؤل والحلم بأن التغيير قريب والفرج قادم، والحلول المتاحة لدى هؤلاء كثيرة، منها الترتيب مع الدائنين مسبقاً وإعادة جدولة الالتزامات، كما يمكنهم الاندماج أو بيع حصص من نشاطهم وهم في الرخاء حيث سعر الرخاء لا يقارن بسعر الشدة، وأخيرا يمكنهم اللجوء إلى بيوت الخبرة التي تساعدهم على حل مشكلاتهم مع الدائنين بإعادة هيكلتها أو إيجاد خليط من كل ما سبق.
وفي المقابل نجد هناك كثيرا من الفرص الفعلية، ولكنها ليست للانتهازيين فهي فرص حقيقية للمستثمرين العقلاء، وهذه الفرص تكمن في استكشاف متطلبات السوق، وبعض القطاعات الواعدة في الأزمة، إضافة إلى الفرص الكامنة في الاندماج والتحالفات بين المنافسين أو مع الموردين أو مع كبار العملاء .. إلخ.
كما أن هناك فرصا حقيقية في قطاعات التعليم والقطاع الصحي وقطاع الاتصالات وقطاع المواد الغذائية إضافة إلى قطاعات التجزئة، وللباحثين عن الفرص أدعوهم للاطلاع على الاستراتيجية الصناعية السعودية التي صدرت أخيرا، وفيها كثير من الفرص المتاحة لطالبي النجاح والطامحين وعاليي الهمم، كما أن فرصة البناء خلال فترة الركود بعد استشراف الطلب المتوقع لما بعد سنتين وخاصة في مجال المساكن من الممكن أن يكون فرصة سانحة لتشغيل الأموال خلال هذه الفترة.
أخيرا .. لقد وجد كثير من الفاشلين متنفساً عميقاً في هذه الأزمة، حيث وجدوا فيها أعذارا وحججاً لمشاريعهم الخاسرة وإداراتهم الفاشلة، فأخذوا يحيلون الفشل والخسائر والإخفاقات أيا كان سببها إلى الأزمة برغم عدم علاقتها بأنشطتهم من قريب أو بعيد!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي