Author

مقدار الدية في القتل الخطأ وشبه العمد ألا يحتاج أيضا إلى مراجعة؟

|
لقد كثر الحديث في هذه الأيام فيما يتعلق بالديات في القتل العمد وكثرة المبالغة فيها إلى حد أن الكثير أصبح للأسف يزاود على المقتول، حيث إن الديات أصبحت مبالغا فيها إلى درجة أن بعض الناس يطلب في المقتول عشرات الملايين، وكأنه أصبح سلعة يزاود فيها، وأهل القاتل ولرغبتهم الملحة في عتق رقبة قريبهم أصبحوا يبذلون ما لا يطيقون لعتقه، وأصبحوا يبذلون كل السبل للحصول على المبلغ المطلوب مهما كان حتى ولو وصل إلى الملايين وحتى لو امتهنوا مهنة "الشحاتة" وطلب الناس في المساجد والأسواق وكل مكان، وأصبح على أبناء القبيل والأسر غنيهم وفقيرهم مسؤولية جمع هذا المبلغ بشتى الطرق حتى وإن كانوا هم أحوج إلى هذا المال، وأصبحت المسألة باختصار أمرا لا يطاق. ولعل التوجيه السامي بتحديد مبلغ للصلح لا يُزاد عليه هو قرار حكيم سيحد من وجود مثل هذه المظاهر غير المقبولة بأي شكل من الأشكال، التي جعلت أهل المقتول يزايدون بدم ميتهم وكأنه سلعة. ويبقى أن هناك قضية مهمة لا تقل أهمية عما سبق بحال وهي دية المقتول خطأً أو شبه عمد، وكما نعلم أنه منذ فترة طويلة جدا نجد أن دية قتل الخطأ وشبه العمد الأولى 100 ألف والثانية 120 ألفا، وهذا المبلغ وإن كان يوم أن وضع كان يساوي قيمة مناسبة لما فرضه الشرع من الدية في حالة القتل الخطأ أو شبه العمد إلا أنه اليوم أصبح واضحا أن الأمر اختلف كثيرا. فبناء على أقوال الفقهاء في دية القتل الخطأ نجد أن الفقهاء لهم في ذلك رأيان وهما أيضا روايتان في مذهب الإمام أحمد. الرأي الأول كما يذكر الإمام ابن قدامة في المغني: (المغني ج8/ص289) "وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد ـ رحمه الله ـ ذكر ذلك أبو الخطاب وهو قول طاوس والشافعي وابن المنذر". أما القول الثاني فقد قال ـ رحمه الله: (المغني ج8/ص289) "إن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها وهذا قول عمر وعطاء وطاوس وفقهاء المدينة السبعة وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد". وبناء على القول الثاني فإن مقادير الدية في هذه الأصناف كما يذكر ـ رحمه الله ـ فيما ورد عن أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه: (المغني ج8/ ص289) "وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيبا فقال ألا إن الإبل قد غلت فقوم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق 12 ألفا وعلى أهل البقر 200 بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الحلل 200 حلة رواه أبو داود ". ولعل المعمول به اليوم هو القول الثاني وبناء عليه فإن علماء المملكة يقولون إن الدية تكون بالريال السعودي لأنه في معنى الذهب والفضة، إلا أننا إذا أردنا أن نقدر الدية اليوم بناء على ما سبق من الأصناف فإنها لن تقل بحال عن 400 ألف ريال في حالة القتل الخطأ – وهذا تقدير متحفظ جدا – ولو أننا نظرنا إلى ما يمكن أن تكون معان أو حكم لفرض هذه الدية ستجد أن 100 ألف ريال لا تؤدي هذا المعنى، سواء من تعويض أهل الميت ولو بشيء بسيط عن فقدان ميتهم، وحفظ الدماء لأن الناس إذا ما علموا أن المبلغ الذي سيدفع كبير فسيحتاطون أكثر. وقد يقول القائل إن 400 أو 500 ألف مبلغ كبير قد يمثل عبئا على القاتل في قتل الخطأ وهو في الواقع لم يقصد إيذاء غيره ولكن حصل ذلك بطريق الخطأ، فيمكن أن يجاب عن ذلك أن الذي يتولى دفع الدية هم العاقلة وهم أقارب القاتل، ثم إنها تؤدى خلال ثلاث سنوات، وقد حدثني أحد الإخوة أن الدية تكلف الفرد في قبيلتهم ما يقارب 20 ريالا فقط، ولو كانت الأسرة صغيرة أيضا فلن تجد أن الدية تكلف المقتدر منهم في الغالب أكثر من عشرة آلاف، وهو عندما يدفعها يستجيب لأمر الله وفي ذلك أجر عظيم قد لا يقل عن ثواب الصدقة، وهي حالة في الغالب لا تتكرر كثيرا في عمر الإنسان. فلذلك يظهر أنه لا بد أن يكون هناك مستشارون أو خبراء تابعون لهيئة كبار العلماء يستشارون في قيمة السلع السابقة في العصر الحاضر ومن ثم يكون للعلماء القرار في تحديد قيمة دية قتل الخطأ وشبه العمد، ويتم مراجعة هذه القيمة بشكل دوري، على أقل تقدير كل عام، خصوصا إننا نرى التضخم والزيادة المتتالية في أسعار السلع، وهذا يجعل الدية تزيد بناء على زيادة أسعار الأصول التي بنيت عليها. ملاحظة: على أهل الخير والمحبين للإصلاح بين الناس في مسائل القتل أن يأخذوا في الحسبان أمرا مهما وهو أنه لا بد أن يكون هناك تفريق بناء على أسباب الاعتداء، فهناك حالات من القتل العمد يكون ناشئا عن غضب شديد أو عن عدم قصد في الواقع إلا أن مجريات التحقيق تظهر أنه قتل عمد، ففي هذه الحالة لا شك أن من النبل العمل قدر المستطاع على إصلاح ذات البين وإقناع أهل الميت بالدية. ولكن هناك حالات من الاعتداء ينبغي عدم التدخل فيها وذلك في مثل حالات القتل من الشخص الذي له سوابق، أو أن طريقة القتل كانت بامتهان للميت، أو أن القتل جزء من جرائم ارتكبها القاتل في الوقت نفسه مثل السرقة والخطف وغيرها من الجرائم، لأن إقامة الحد أو القصاص على هذا الشخص قد يكون فيها ردع وعظة لغيره ممن قد تسول لهم أنفسهم ارتكاب مثل هذه الجرائم في المستقبل، كما أنه من الممكن أن يتكرر منه هذا العمل في المستقبل.
إنشرها