عروبة واستقلال البحرين والقانون الدولي
أجهزة الحكم في إيران قد وزعت الأدوار فيما بينها بشأن السياسة الإيرانية حيال دول الخليج العربي، فبعض هذه الأجهزة تعطي دول الخليج من طرف اللسان حلاوة، والبعض الآخر يكشف عن أنياب الهيمنة والتوسع.
بين الحين والآخر تصدر تصريحات من بعض المسؤولين الإيرانيين تمس عروبة البحرين واستقلالها وسيادتها. وكان آخر هذه التصريحات تلك التي أدلى بها علي أكبر ناطق نوري رئيس التفتيش العام في مكتب الزعيم الأعلى للثورة الإيرانية زاعماً زوراً وبهتاناً أن إيران تتمتع بالسيادة على البحرين وأن البحرين كانت المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة وكان لها ممثل في البرلمان الإيراني.
أثارت هذه التصريحات استياء وغضباً شديدين في العالم العربي، فمملكة البحرين احتجت رسمياً على هذه التصريحات واعتبرتها تتعارض مع علاقات حسن الجوار بين البلدين ومع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي. وكإجراءات احتجاجية أوقفت البحرين مفاوضات مع إيران لاستيراد الغاز الطبيعي، كما فرضت رقابة مشددة على حركة السفن الخشبية (البوانيش) التي تتحرك من إيران إلى البحرين منعاً لعمليات التهريب والتسلل. ودانت المملكة العربية السعودية التصريحات الإيرانية واعتبرتها تشكل تعدياً سافراً على مملكة البحرين. فقد نقلت وكالة الأنباء السعودية عن مصدر سعودي مسؤول قوله: إن المملكة (تتابع باستياء بالغ واستهجان شديد التصريحات العدائية المتكررة الصادرة عن عدد من المسؤولين الإيرانيين والرموز السياسية والإعلامية التي ما فتئت تردد المزاعم والادعاءات الإيرانية في أراضي مملكة البحرين الشقيقة). وأضاف المصدر أن المملكة ترى أن (صدور مثل هذه التصريحات اللامسؤولة ما هو إلا محاولة للاجتراء على حقائق التاريخ والجغرافيا). وتابع أن هذه التصريحات (تشكل تعدياً سافراً على سيادة عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وتعدياً على هوية مملكة البحرين وانتمائها العربي). وأشار المصدر المسؤول بشكل خاص إلى تصريحات صدرت عن رئيس تحرير صحيفة (كيهان) ومستشار المرشد العام، وتصريحات المفتش الخاص في مكتب المرشد العام علي أكبر ناطق نوري، والنائب في البرلمان الإيراني داريوش قنبري). وشدد المصدر المسؤول على أن (السعودية إذ ترفض بشكل قاطع هذه التصريحات، فإنها تعرب عن أسفها الشديد لصدورها عن جهات محسوبة على القيادات الإيرانية). واعتبر أن صدور مثل هذه التصريحات (يقف عائقاً أمام الجهود والمبادرات الخليجية المخلصة التي تهدف إلى بناء علاقات حسن جوار بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران، يسودها الود والاحترام المتبادل، ويهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، ويدرأ الفتنة بين المسلمين).
وصرح عبد الرحمن بن حمد العطية، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بأن أي مساس بأمن البحرين (مرفوض وخط أحمر) ووصف العطية الموقف الإيراني الأخير بـ (الجهل المفضوح والاستهتار بمبدأ حسن الجوار وعدم احترام سيادة الدول واستقلالها، وكذلك التدخل في الشؤون الداخلية، لكل ما يعزز النيل من إجراءات الأمن والاستقرار والثقة فيما بين الدول، كما اعتبر العطية تصريحات المسؤول الإيراني (مستفزة وغير مسؤولة، وهي لا تخدم التعاون المشترك مع إيران، وسيكون لها تأثيرها في مجمل دول مجلس التعاون).
وصرح عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية بأن (سيادة الدول العربية على أراضيها مسألة ليس فيها نقاش وأن أي محاولة للمساس بسيادة أي دولة عربية عضو في الجامعة سوف تقابل بكل الرفض) وأضاف قائلاً (إن البحرين دولة عربية عضو في الجامعة العربية، كما أنها دولة ذات سيادة ولن يؤثر فيها، مثل هذه التصريحات الصادرة عن مسؤولين في إيران) محذراً أن هذه التصريحات الإيرانية تضر ضرراً بليغاً بالمنطقة وأوضاعها المتوترة.
وصرح مصدر مسؤول في وزارة الخارجية القطرية أن (مثل هذه التصريحات السلبية تشكل تعدياً على سيادة دولة عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وتعرقل الجهود التي تبذلها دول المجلس ورغبتها الصادقة في بناء علاقة صداقة وتعاون بينها وبين جمهورية إيران الإسلامية يسودها الود والاحترام المبتادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بما يسهم في تقوية علاقات التعاون ويخدم شعوب المنطقة).
وقام الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بزيارة البحرين للتعبير عن تضامنهما ورفضهما للتصريحات الإيرانية الاستفزازية. كما تلقى الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين، اتصالا هاتفياً من الرئيس السوري بشار الأسد، أعرب خلاله عن تضامن بلاده مع مملكة البحرين وإدانتها للمزاعم غير المسؤولة من جانب بعض المسؤولين الإيرانيين، ونقلت وكالة أنباء البحرين عن الرئيس السوري تأكيده على سيادة واستقلال مملكة البحرين كدولة عربية معرباً عن رفضه التام لمثل هذه التصريحات غير المسؤولة. كما عبر العاهل المغربي الملك محمد السادس عن تضامنه مع مملكة البحرين واستنكاره للتصريحات الإيرانية التي اعتبرها العاهل المغربي مريبة وخطيرة في حق بلد عربي شقيق.
وطالبت الدول الخليجية الست الحكومة الإيرانية بإدانة ومنع تكرار التصريحات العدائية التي صدرت من مسؤولين إيرانيين شككو فيها بسيادة البحرين واستقلالها، وعبرت تلك الدول عن استيائها وإدانتها الشديدة لمثل هذه التصريحات أياً كان مصدرها واعتبروها تعدياً سافراً على هوية البحرين العربية. وأكدت هذه الدول في البيان الصادر عن المجلس الوزاري الخليجي أن التصريحات الإيرانية العدائية لا تخدم أمن المنطقة ولا تنسجم مع مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، في الوقت الذي تسعى دول المجلس إلى تعزيز العلاقات بينها وبين الجمهورية الإيرانية الإسلامية والعمل على بناء الثقة بين الجانبين.
وصرح نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بأن بلاده تعترف بسيادة واستقلال مملكة البحرين وتساند سلامة أراضيها وتعترف بحدودها الدولية ولتهدئة أجواء التوتر التي أحدثتها تلك التصريحات فقد أكد علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني في اتصال هاتفي مع الأمين العام لجامعة الدول العربية احترام بلاده لسيادة واستقلال البحرين، مؤكداً أن تلك التصريحات لا تمثل موقفاً إيرانياً ولا تعبر عن سياسة إيران تجاه جارتها مملكة البحرين التي تعتبرها إيران دولة مستقلة ذات سيادة ودولة جارة لها احترام الدولة الشقيقة وأن من أطلق هذه التصريحات لم يكن مخولاً أو مكلفاً ولا معبراً عن رأي إيران. وأشار إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية أصدرت بياناً تؤكد فيه هذا الموقف الواضح إزاء مملكة البحرين واحترام سيادتها. وقال حسن قشقواني المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية للمحطة الفضائية الإيرانية (العالم) الناطقة بالعربية، إن (موقفنا من البحرين واضح حيث أكدنا مراراً على أننا نحترم سيادة واستقلال جميع الدول المجاورة والمنطقة، خاصة البحرين).
ورفضت مصادر بحرينية التبرير الإيراني واعتبرته غير كاف نظراً لأنه ليس الأول من نوعه وصدر عن أسماء معروفة في طهران ونشرته الصحف الإيرانية وهي تتحدث عن أطماع إيران في البحرين وتعتبرها محافظة تابعة لها. وعلى أثر ذلك قام وزير الداخلية الإيراني صادق محصولي بزيارة مفاجئة إلى البحرين سلم خلالها رسالة من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة أكد فيها احترام إيران لسيادة البحرين وأنه لن يسمح لأي شخص بالمساس بالعلاقة الأخوية بين البلدين.
من جهة أخرى، فقد تصدرت التصريحات الإيرانية مناقشات منتدى البحرين الأمني الثاني الذي بدأ أعماله في المنامة يوم الثلاثاء 24/2/2009، حيث استنكر عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي التصريحات الاستفزازية وغير المبررة التي توالى صدورها في الأشهر الماضية تجاه دول مجلس التعاون، وأكد أنها غير مقبولة ولا تتناسب مع العلاقة بين دول ضفتي الخليج العربي ومبدأ حسن الجوار بمفهومه الشامل الذي تلتزم به دول مجلس التعاون الخليجي وعملت على دعمه بخطوات عملية.
أما وقد استعرضنا أبرز جوانب قضية التصريحات الإيرانية حيال مملكة البحرين، فإننا نبدي بشأنها تعليقاً موجزاً في ضوء القانون الدولي العام، فنقول ما يلي:
أولاً: البحرين عربية بحكم الجغرافيا والتاريخ، فمن حيث الجغرافيا فإنها تقع ضمن نطاق إقليم شبه الجزيرة العربية، ومن حيث التاريخ فقد سكنتها القبائل العربية منذ زمن موغل في القدم، وأصبحت تحت حكم أسرة آل خليفة، العربية العريقة، منذ أكثر من أربعة قرون وأدى ذلك إلى بدء نشوء الدولة البحرينية الحديثة، حيث تكاملت عناصر الدولة بتحقق الإقليم، الشعب، والسلطة السياسية. ولم تكن البحرين في أي يوم من الأيام محافظة إيرانية. وشاه إيران السابق هو الذي اختار شخصاً من تلقاء نفسه وعينه في البرلمان الإيراني كممثل للبحرين في هذا البرلمان ولم يكن هذا التعيين في الواقع إلا إشارة رمزية لمطامعه التوسعية وادعاءاته الباطلة إزاء البحرين وتصرف من هذا القبيل ليس له أي حجية قانونية البتة.
ثانياً: عندما نالت البحرين استقلالها في 14/8/1971 خضع الشاه السابق محمد رضا بهلوي، لحكم التاريخ والجغرافيا وأذعن لإرادة المنطق والعقل فاعترف بالبحرين كدولة مستقلة ذات سيادة وأقام معها علاقات دبلوماسية كاملة. والاعتراف بالدولة في القانون الدولي العام هو إقرار من الدول الصادر عنها هذا الاعتراف بوجود شخص قانوني دولي (هو الدولة المعترف بها) مساو لهذه الدول في جميع الحقوق والالتزامات، أي يتمتع بالحقوق وقادر على تحمل الواجبات التي يفرضها النظام القانوني الدولي. فالاعتراف طبقاً للرأي الراجح في فقه القانون الدولي العام يثبت وجود الدولة ولا يخلقها من العدم، وله أثر رجعي يمتد إلى اللحظة التي نشأت فيها الدولة، أي أن آثاره تعود إلى الوقت الذي قامت فيه الدولة حتى ولو كان ذلك قد مضت عليه سنوات طوال. ولذلك فإن أي ادعاء إيراني يناقض هذا الاعتراف مرفوض وتأباه مبادئ القانون الدولي.
ثالثاً: من الملاحظ أن أجهزة الحكم في إيران قد وزعت الأدوار فيما بينها بشأن السياسة الإيرانية حيال دول الخليج العربي، فبعض هذه الأجهزة تعطي دول الخليج من طرف اللسان حلاوة، والبعض الآخر يكشف عن أنياب الهيمنة والتوسع. وعلى قادة إيران أن يدركوا أن هذه الازدواجية في التعامل غير مقبولة، وعليهم أن يكفوا فعلاً لا قولاً فحسب عن سياسة الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة إن أرادوا حقاً لمنطقة الخليج أن تعيش في سلام ووئام.