رياح التغيير .. ثقة ملكية ورغبة شعبية

برغم انشغالي في إكسفورد خلال هبوب رياح التغيير السبت الماضي، إلا أنني ومجموعة من الزملاء المشاركين في برنامج تدريبي مكثف (سيكون لي وقفة أخرى معه) أجمعنا على إيجابية التغيير الذي تم بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول من تم تعيينهم ومن تم إعفاؤهم، والمناصب التي تولوها.

ليس أسوأ من شيء على أمة مثل الركود، ولا أقصد هنا الركود الاقتصادي الذي يعانيه العالم، ولكن الأسوأ من ذلك الركود الفكري والركود العلمي والركود العقلي، فالتغيير سنة الحياة التي سنّها الله سبحانه في الكون، وهي ليست خيارا ولكنها حتمية التطوير والتنمية، وكما يقال "إن التغيير هو الشيء الوحيد الثابت في هذا الكون"، حتى الماء إذا وصف بالراكد فهي صفة للنقص والمرض والأوبئة، ولا ثابت إلا ما ثبته الله ورسوله في شريعتنا السمحة.
عندما سنت القيادة السعودية سنتها الحسنة بالتعيين لمدة أربع سنوات فقط، يتم بعدها التغيير أو التمديد، فقد بادرت بنفسها بوضع الضوابط المحفزة للتغيير، وأصبح التغيير هو الأصل، وأصبح المسؤول يعمل ويكد ليقدم ما يشفع للقيادة بالتمديد له، ومزايا التغيير لا تخفى على ذوي العقول والألباب، فكل مسؤول يتم تعيينه يضع نصب عينيه أول ما يضع الإنجازات التي يجب عليه تنفيذها، والتغيير الذي يجب أن يشكله، والتطوير المتوقع منه، وهذا هو التفكير المسؤول والمرتقب لمن يتم تعيينه، وإلا لو كان ما سيتم هو تكرارا لما سبق فلماذا التغيير أصلا.
يقوم المسؤول مشكوراً أياً كان منصبه بتقديم كل جهده خلال هذه السنوات الأربع، بما يكافئ الثقة الملكية التي منحت له، ويحق له بعد ذلك أن يستريح، أو أن يكون ما قدمه في منصبه عملاً استثنائياً فتكون مكافأته عن ذلك منصباً آخر أكثر أهمية ومسؤولية أكبر وثقة ملكية.
المسؤول خلال السنوات الأربع سيقدم كل فكره، وسيعمل كل طاقاته، وسيستثمر كل إمكاناته، لإثبات استحقاقه لمنصبه، ليس ذلك فقط بل طموح مستحق لما هو أعلى ليحظى بالثقة الملكية في منصب أهم وأكبر.

تجد المواطن مع كل تغيير وزاري ينظر للأمور التي تلامس حياته اليومية، فيعقد الآمال على النتائج المتوقعة للتغيير ومن أهمها الصحة والتعليم ولقمة العيش والسكن والأمن... إلخ، ويرى عصا موسى تلوح في الأفق مع كل مرسوم، وللأسف غالباً ما يخيب المسؤولون ظن هذا المواطن المسكين، ولكن حقيقة لا أجد عذرا للمسؤولين في عدم النجاح بل والإنجاز، فكل السبل ميسرة، وإن لم يستطع المسؤول القيام بمهام وظيفته، فليس أجمل وأكثر احتراما من تحمل المسؤولية والتنحي عنها لغيره.
أقترح أن يقدم كل مسؤول خلال ثلاثة أشهر من تعيينه (أو التمديد له) خطة عمل واضحة الأهداف محددة في مخرجاتها وبرنامجها الزمني، والموارد المطلوبة للتنفيذ، وكيفية قياس النجاح لها، حيث يقدم المسؤول أيضا تقريرا سنويا يوضح مدى الإنجاز في الخطة وأي تعديلات عليها، ويقدم تقريراً نهائياً قبل نهاية فترة السنوات الأربع بستة أشهر، وبالتالي يكون التمديد له أو إعفاؤه أو توليه منصبا جديدا مبنيا على نتائج محسوبة أو إخفاقات واضحة أو إنجازات باهرة.
أتمنى أن يكون التعديل والتغيير هو الأصل، وأن يكون الثبات أو التجديد هو الاستثناء، وأن تكون عملية التغيير والتجديد في الدماء والوجوه والأشخاص عملية مستمرة، حيث تكون رياح التغيير ربيعا دائما وليس إعصاراً دورياً.
ختاما.. أشكر المسؤولين السابقين على ما قدموه من خدمات جليلة لوطنهم، وأتمنى من المسؤولين المعينين أن يراعوا الله أولا، وأن يكونوا على مستوى الثقة الملكية ثانياً، وأن يجندوا أنفسهم لخدمة دينهم ثم وطنهم ومليكهم بإخلاص وجد وحكمة، فالمتوقع منهم كثير والآمال عليهم معقودة والدعاء لهم بالتوفيق موصول.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي