مسؤولية إسرائيل وأمريكا عن أضرار العدوان الإسرائيلي
تناولنا في المقال السابق الخيارات المتاحة لمقاضاة القادة والمسؤولين الإسرائيليين جنائيا عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الجرائم التي ارتكبوها إبان العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة. وننوه في هذا المقال بأن المسؤولية الجنائية التي تقع على عاتق مجرمي الحرب الإسرائيليين، لا تعفي إسرائيل كدولة من المسؤولية القانونية المدنية عن الخسائر والأضرار التي لحقت بسكان غزة في أبدانهم وأموالهم وممتلكاتهم، فالقانون الدولي يحمل الدولة المسؤولية الدولية المدنية عن الأضرار الناشئة عن أعمالها غير المشروعة، كما يحملها أيضا المسؤولية عن أعمالها وأنشطتها المشروعة إذا كانت تنطوي على مخاطر جمة بصرف النظر عن وجود تقصير أو خطأ من جانب الدولة. ولذلك فإنه يتعين على إسرائيل أن تدفع تعويضات عادلة للمصابين وأسر الشهداء من سكان غزة ولأي فرد فلسطيني أصابه ضرر مادي أو معنوي، وأن تدفع أيضا للسلطة الفلسطينية تعويضات عن التخريب والدمار الكبير الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي في المنشآت والمرافق العامة، مثل: المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والوقود والمباني الحكومية، وطبقاً لإحصاءات بعض المصادر الإعلامية، فقد أدى العدوان الإسرائيلي إلى استشهاد 1350 فلسطينياً، إضافة إلى أكثر من 5500 جريح معظمهم من النساء والأطفال، وتم تدمير نحو 22 ألف مبنى، منها أربعة آلاف تم تدميرها كلياً و18 ألفا جزئياً، كما قدرت الخسائر الاقتصادية بنحو ملياري دولار أمريكي عدا الأضرار التي لحقت بالبيئة الطبيعية بسبب استخدام أسلحة محرمة دولياً مثل القنابل الفسفورية. وهذه الأضرار قد تكون قابلة للزيادة بحسب ما تسفر عنه عمليات المعاينة والإحصاء، ويجب على السلطة الفلسطينية الإصرار على مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات عن تلك الخسائر والأضرار.
والسوابق القضائية تؤيدها في هذه المطالبة، ولعل أحدثها إجبار العراق على دفع تعويضات للدول والأفراد المتضررين من العدوان العراقي على الكويت في عهد صدام حسين، وقد حصلت إسرائيل على نصيب من هذه التعويضات بذريعة أن الصواريخ العراقية التي أصابتها إبان تلك الحرب سببت لها أضراراً.
بالإضافة إلى مسؤولية إسرائيل، فإن الولايات المتحدة مسؤولة أيضا مسؤولية قانونية عن دفع تعويضات لسكان قطاع غزة عن الأضرار التي لحقت بهم جراء العدوان الإسرائيلي، وسبق لي أن نشرت مقالاً في جريدة "الوطن" بتاريخ 11/6/1422هـ الموافق 30/8/2001 بعنوان (مقاضاة الولايات المتحدة بشأن مسؤوليتها عن جرائم إسرائيل)، تناولت فيه أسس المسؤولية القانونية للولايات المتحدة الأمريكية عن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني. ولأن مسؤولية الولايات المتحدة ما زالت قائمة بل تزداد فداحة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وممارساته القمعية والوحشية ضد الشعب الفلسطيني التي بلغت ذروتها خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وما ترتب عليه من جرائم حرب ومجازر بشعة، فأجد من المناسب أن أوجز هنا أهم مضامين ذلك المقال على النحو التالي:
1- إن الولايات المتحدة بوصفها حليفاً استراتيجياً لإسرائيل بموجب اتفاقيات مكتوبة ومبرمة بين الطرفين، تعد من الناحية القانونية مشاركة في أعمالها العدوانية والإجرامية ضد الفلسطينيين الذين بسلاح أمريكي تقتل إسرائيل بعضهم، وتجرح وتشوه وتقطع أوصال بعضهم الآخر وتدمر منازلهم وممتلكاتهم وتهجرهم من أراضيهم.
2- إن الدعم الأمريكي لإسرائيل، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، يعد سبباً مباشراً من أسباب تعطيل ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، وهو حق يعترف به القانون الدولي ويجيز للشعوب التي حرمت أو منعت بالقوة من ممارسته، أن تلجأ إلى استخدام القوة لانتزاع هذا الحق، فالكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير لا يعد من وجهة نظر القانون الدولي عملاً إرهابياً، بل هو نضال مشروع، بينما يعد الاحتلال العسكري الأجنبي جريمة دولية ضد السلام، ولذلك فإن أية مساعدة تقدمها دولة أو دول أخرى لدولة محتلة أو معتدية هي عمل غير مشروع ويمكن تصنيفه على أنه عمل من أعمال التواطؤ أو المشاركة في الجريمة.
3- يجب على العرب، حكومات وهيئات ومؤسسات أهلية وأفراداً، رفع الدعاوى أمام المحاكم الأمريكية ضد حكومة الولايات المتحدة والهيئات الأمريكية الأهلية التي تتبرع بمساعدات مادية لإسرائيل، التي في معظمها معفاة من الضرائب، وأن الهدف من هذه الدعاوى هو استصدار أحكام قضائية ضد الحكومة الأمريكية والهيئات المذكورة لمنعها من الاستمرار في تقديم التبرعات والمساعدات الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل بسبب ارتكابها جرائم خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، التي لا تمثل انتهاكاً للقانون الدولي فحسب، بل تمثل أيضا انتهاكاً للقانون الأمريكي الخاص بتصدير الأسلحة. وإن هذه الدعاوى ستكون وسيلة مناسبة لإحاطة الشعب الأمريكي علماً بحقيقة الأوضاع في فلسطين وجرائم إسرائيل، لأن وسائل الإعلام بطبيعة الحال ستنقل أخبار هذه الدعاوى وتتحدث عن احتمالاتها وأبعادها.
4- إن هذه الدعاوى لا تحتاج فحسب إلى معلومات وإحصاءات ومجهودات فكرية متنوعة، وإنما تحتاج أيضا إلى تنسيق مع المواطنين الأمريكيين من أصول عربية والهيئات الأمريكية المناهضة للصهيونية والتمييز العنصري، كما تحتاج أيضا إلى أموال لتغطية تكاليف التعاقد مع الخبراء والمستشارين، وتوكيل أفضل مكاتب المحاماة في الولايات المتحدة. واقترحت أن تتبنى جامعة الدول العربية هذه الفكرة وتنشئ مؤسسة أو هيئة خاصة لهذا الغرض ويكون من مهامها تلقي التبرعات من الحكومات والهيئات والمؤسسات والأفراد في الوطن العربي وخارجه.
واختتمت ذلك المقال قائلاً (إن النضال في المجالات السياسية والإعلامية والقضائية، أمر ضروري لتعزيز جهاد الشعب الفلسطيني في سبيل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي واسترداد حقوقه المغتصبة. وقد يكون مناسباً أن نذكر أن من أسباب انتصار فيتنام في حربها مع الولايات المتحدة أنها استطاعت أن تهز ضمير المجتمع الأمريكي وتؤرقه، ما جعله يضغط ضغطاً ملحاً على حكومته لإنهاء تلك الحرب الضارية. وآن الأوان للعرب أن يتحركوا لهز الضمير الأمريكي وإيقاظه من غفلته بجميع الوسائل المشروعة الممكنة. ورحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى).
وأجدد في هذا المقال الدعوة إلى مقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية أمام المحاكم الأمريكية على أساس مسؤوليتها القانونية عن الجرائم الإسرائيلية السابقة والحالية، التي تجسدت في المحرقة التي أشعلها العدوان الإسرائيلي في قطاع غزة، وما ترتب على ذلك من جرائم حرب وإبادة وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان الفلسطيني. فإدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش باركت هذا العدوان الغاشم وأيدته ووصفت زوراً وبهتاناً العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين بأنها ممارسة لحق الدفاع عن النفس. ولم تجد جنحاً في استخدام إسرائيل السلاح الأمريكي ضد المدنيين العزل.
ولا يكفي أن تعلن السلطة الفلسطينية أنها ستسعى إلى ملاحقة ومقاضاة مجرمي الحرب الإسرائيليين، إذ لا بد أن تبادر إلى رفع الدعاوى أمام المحاكم الأمريكية باسم جميع الضحايا والمصابين الفلسطينيين للمطالبة بالتعويض عن جميع الخسائر والأضرار التي لحقت بهم وبالبيئة الطبيعية الفلسطينية جراء هذا العدوان المؤيد سياسياً وعسكرياً من قبل الحكومة الأمريكية، وأن تستعين في ذلك بالمحامين الأمريكيين الراسخين في علم القانون الدولي للدفاع عن الحق الفلسطيني، وعرض القضية الفلسطينية بشكل موضوعي.
وهنا أود التذكير بأن إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش رفضت في آذار (مارس) 2008 طلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس التدخل لدى القضاء الأمريكي للتخلي عن النظر في دعاوى التعويضات المالية المقامة ضد السلطة الفلسطينية من قبل ممثلي مواطنين أمريكيين سقطوا أو أصيبوا في هجمات نفذها مقاومون فلسطينيون في السابق، وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك، بأن الولايات المتحدة تؤيد دفع تعويضات (عادلة) لضحايا الإرهاب من قبل الذين يتحملون مسؤولية سقوط هؤلاء الضحايا. وكان رئيس السلطة الفلسطينية قد برر طلبه بأن المساعدات المالية التي أفرجت عنها الحكومة الأمريكية للفلسطينيين ستتبخر إذا ما دفعت هذه التعويضات. وإذا كانت الولايات المتحدة تؤيد أن تقام أمام محاكمها دعاوى تعويض الضحايا الذين سقطوا خارج الإقليم الأمريكي بسبب عمليات المقاومة الفلسطينية المشروعة بموجب قواعد القانون الدولي، فإنه قد حان الوقت بأن تبادر السلطة الفلسطينية إلى رفع دعاوى مضادة لتحميل الولايات المتحدة مسؤولية مشاركة إسرائيل في أعمالها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، والسماح لها باستخدام السلاح الأمريكي في تنفيذ هذه الأعمال التي يؤثمها ويجرمها القانون الدولي، وإلزامها بدفع تعويضات عادلة للضحايا الفلسطينيين.