"صافولا" .. الجرأة في تحمل المسؤولية
أعلنت شركة صافولا الأسبوع الماضي عبر مؤتمر صحافي نتائج الشركة لعام 2008، وبعد إعلان النتائج التي اشتملت على خسائر عالية نتيجة اعتماد الشركة لسياسات محاسبية متحفظة باحتساب مخصصات عالية لمقابلة آثار الانخفاض في قيمة الاستثمارات وهبوط قيمة المخزون، وعلى الرغم من تحقيق الشركة نتائج إيجابية لصافي أرباح الشركة وإقرار توزيعات الأرباح على المساهمين, إلا أن هناك متعاملين في السوق غير راضين عن الشركة, ويصفون ما قامت به بـ "السذاجة", وذلك من حيث التأثير الكبير للمعالجة المحاسبية التي قامت بها الشركة في الربحية, وبالتالي قيمة السهم في السوق، في حين كان بإمكان الشركة أن تجمل قوائمها المالية، أو على الأقل احتساب مخصصات "معقولة" لا تؤثر في الربحية بهذا الشكل الذي حدث.
إلا أنني أعلن أنه على الرغم من تحقيق "صافولا" أرباحا قدرها 202 مليون ريال مقارنة بـ 1.23 مليار ريال عام 2007، وعلى الرغم من تحقيق الشركة خسائر قدرها 464 مليون ريال للربع الرابع 2008، إلا أنني أجد نفسي أقف احتراما لمجلس إدارة "صافولا" وإدارتها التنفيذية.
أما لماذا ؟ وهو سؤال منطقي للغاية .. فالأسباب عديدة، وإن كنت أعرف كثيرا عن الشركة والأسلوب الإداري الذي تنتهجه، إلا أن الأسباب الأخرى كثيرة .. وما انتهاج الشركة عقد المؤتمر الصحافي الأخير لتوضيح نتائج أعمالها والإجابة عن استفسارات وتساؤلات الصحافيين التي لا تخلو من المماحكة وكثير من الإحراج لإدارة الشركة إلا جزء يسير من الإجابة عن هذا السؤال، فقد أعلنت "صافولا" في ذلك المؤتمر للجميع أنها شركة تحترم مساهميها، وتؤمن بمبادئها، وتعلن شفافيتها بالفعل وليس بالقول فقط، فما من سؤال إلا وله جواب، حيث قامت الشركة بتحمل مسؤولياتها أمام المساهمين والجهات ذات العلاقة، وكمثال على ذلك تأملوا إفصاحات "صافولا" عن نتائج الشركة لعام 2008:
* أعلنت الشركة صافي أرباحها السنوية وأرباحها الإجمالية وأرباحها التشغيلية لعام 2008 مقارنة بمعلومات العام السابق.
* أعلنت الشركة مبيعاتها السنوية بالمبلغ والنسبة لعام 2008 مقارنة بالعام السابق.
* أعلنت الشركة معلوماتها البيعية والربحية لقطاعاتها التفصيلية لعام 2008 مقارنة بمعلومات العام السابق.
* أعلنت الشركة بكل شجاعة وصراحة وتفصيل انعاكسات وآثار الأزمة المالية في عمليات الشركة من الناحية التشغيلية والاستثمارية.
* أعلنت الشركة النتائج المتوقع تحقيقها لعام 2009م والتزامها بها.
في حين تنتشر ثقافة مكياج (تجميل) القوائم المالية في العالم أجمع لتجنب آثار الأزمة المالية العالمية, تبادر شركة صافولا إلى تنظيف القوائم المالية أولا بأول، غير عابئة بأثر معالجتها المحاسبية في سعر السهم، تاركة تحديد القيمة العادلة للسهم لعوامل السوق بعيدا عن مصالح الملاك وأعضاء مجلس الإدارة, وهذا يعطي مثالا ساطعاً للشفافية والاستقلالية لإدارة الشركة. تحضرني مقارنة هنا بإحدى الشركات المساهمة التي تملك أصولا غير منتجة، لا تعود على الشركة بأي نفع، بل على العكس تصرف الشركة عليها سنويا آلاف الريالات للصيانة والحراسة والنظافة .. إلخ، وعلى الرغم من ذلك ترفض الشركة بيع هذه الأصول على الرغم من حاجتها إلى السيولة، لأنها تعرف جيدا أن بيع هذه الأصول سيعرض الشركة لخسائر رأسمالية تؤثر كثيراً في قيمة سهمها في السوق، فأصبح المحرك لإدارة الشركة سعر السهم وليست المصلحة.
على صعيد آخر تقوم إدارة الشركة بوضع عبء ثقيل على كاهلها بإعلانها توقعاتها لأرباح 2009، فتفصح عن رقم لا يقل عن 800 مليون ريال كأرباح تشغيلية, وهو رقم يتجاوز الأرباح التشغيلية لعامي 2007 و2008، يضاف إليها ما ينتج للشركة عن الإيرادات الرأسمالية والأخرى، وهو التزام مهني على إدارة الشركة أمام مجلس إدارتها والمساهمين بمثابة الرهان على مستقبلها والتحدي لأنفسها.
قد يأتي من يقول إن الشركة مجبرة على هذه المعالجة وذلك الإفصاح بحكم المعايير المحاسبية وشخصية المحاسب القانوني، إلا أنني ومن خلال معرفتي المتعمقة بقطاع المحاسبين القانونيين، أعرف ومع الأسف أن الشركة ستجد من المحاسبين القانونيين من لا يمانع في تجميل القوائم المالية, بل يدعمها في هذا التجميل ويقدم لها النصائح المناسبة لكل موسم.
أخيرا, لا نستغرب من شركة مثل صافولا أن تبادر إلى ما قامت به عندما نتأمل في القيم التي أعلنتها وآمنت بها.