حكمة الملك ووعد الرئيس
كان العالم في الأسبوع الماضي على موعد مع حدثين مهمين يبشّران بميلاد عهد جديد في العلاقات الإقليمية والدولية التي تحفظ كرامة الشعوب وتطلعاتهم العادلة للعيش في أمن وسلام. إذ شهدت قمة الكويت الاقتصادية مولد أول هذين الحدثين عندما أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في كلمته التي ألقاها يوم الإثنين الموافق 19 كانون الثاني (يناير) مبادرته لإنهاء الخلافات القائمة بين الحكومات العربية وبين بعضها بعضا. ولم يكن الهدف لتلك المصالحة تسويق برنامج سياسي ما أو توفير أرضية لأجندة مبطّنة, بل خطوة إصلاحية تاريخية في إطار رؤية شاملة للملك الحكيم لإرهاصات مطلوبة للسير على طريق تأخذ بيد المواطن العربي إلى آفاق مليئة بفرص للإنتاج والإبداع. ذلك أن بناء قدرات الشعوب العربية لن يتأتى أبداً وقياداتها متنازعة وإنما الفشل مصيرها كما جاء في الآية التي استشهد بها خادم الحرمين من القرآن الكريم "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"، وما أثبته ما مضى من الأيام.
أما الحدث الثاني فقد كان خطاب التنصيب الذي ألقاه في واشنطن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما الثلاثاء الموافق 20 كانون الثاني (يناير) أمام أكثر من مليونين من مواطنيه الذين حضروا في ساعات مبكرة من أنحاء البلاد للمشاركة في تلك المناسبة على الرغم من برودة الطقس الذي سجل درجات حرارة تحت الصفر. ذلك الخطاب الذي أصغى إليه مئات الملايين من البشر عبر جهاز التلفاز في شتى أرجاء المعمورة جاء مليئاً بالرسائل النبيلة الموجهة للأمريكيين وأمم العالم كافة. إذ دعا شعبه إلى بدء مرحلة من العمل الجاد تدعمها الحكومة ببرامج إنفاق ضخمة في مشاريع الأشغال العامة لاستيعاب أكبر عدد من العاطلين، وإطلاق برامج طموحة في مجالات مصادر الطاقة البديلة والمحافظة على البيئة. غير أن الأكثر لفتاً للأنظار في ذلك الخطاب ما أعلنه الرئيس الجديد عن عزمه على الدفاع بشدة عن الحقوق والحريات التي كفلها الدستور الأمريكي للناس من مواطنين وغيرهم، ورفضه التنازل عنها أو التهاون فيها مهما كانت الأسباب.
صحيح أن تلك البرامج والنيات التي تم الكشف عنها في خطاب التنصيب تعنى في جوهرها بالشعب الأمريكي ومؤسساته، إلا أن فاعليتها ونجاحها يعتمدان إلى حد كبير على مدى حيوية وتعافي النظام المالي والاقتصادي على مستوى العالم، وليس في أمريكا فحسب، وذلك بدوره يتطلب توافر أجواء مواتية من السلام، الأمن، والاستقرار في الساحة الدولية . لذا مد الرئيس أوباما يده للشعوب الأخرى وبالذات المسلمين واعداً إياهم بفتح صفحة جديدة من التعاون والعمل المشترك البناء، وهي مهمة مليئة بالتحديات وتكاد تكون مستعصية إن لم تهيأ لها الأرضية الملائمة لكسب ثقة الأطراف المعنية.
من توفيق الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن تلك الأرضية سعى إلى تهيئتها منذ سنوات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بعمل دؤوب ومبادرات غير مسبوقة عندما أعلن مبادرة السلام الشامل والعادل في المنطقة التي تبنتها قمة بيروت عام 2002 وأكدتها قمة الرياض عام 2007، ثم عززها بمبادرة أكثر عالمية عندما دعا إلى الحوار بين الأديان الذي انطلقت أعماله في العاصمة الإسبانية مدريد في صيف العام الماضي لبناء جسور من المحبة والاحترام بين أتباع جميع الديانات على اختلاف مشاربهم، كما أطلق كثيرا من المبادرات الأخرى التي تنشد رفاهية الإنسانية كمبادرة الطاقة التي تعكس حرصه على الاستخدام الرشيد لمصادرها التقليدية والحفاظ على البيئة في معادلة متوازنة لعقود طويلة من السنين دون إرباك لتلك العلاقة أو إعاقة وسائل الإنتاج والنقل التي تستند إليها الحضارة في هذا العصر. أما في مضمار المساعدات الاقتصادية للدول الفقيرة والنامية، ونجدة المنكوبين، فالمملكة لها قصب السبق, إذ إن نسبة ما تقتطعه من دخلها لبرامج الإعانات المقدمة للدول الأخرى والمنظمات الدولية يضعها في رأس قائمة المانحين بلا منازع.
بمعنى آخر أن السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز سخرت ما لها من مكانة روحية بين المسلمين في العالم وما تتمتع به من ثقل اقتصادي وسياسي من أجل الأمن والسلام وتوفير حياة كريمة لكل الشعوب دون تمييز. ولا شك أن الرئيس الأمريكي الجديد سيجد في مبادرات المملكة المتعددة آليات نافعة لتحقيق كثير مما يبشر به من عدالة اجتماعية، احترام الحقوق، وبناء مستقبل واعد للأجيال المقبلة.
لن نستبق الأحداث، ولكن كما قيل "تفاءلوا بالخير تجدوه". وهناك بوادر تدعو إلى ذلك التفاؤل بدت في كلمة ألقاها الرئيس أوباما يوم الخميس الماضي الموافق 22 كانون الثاني (يناير) في مبنى وزارة الخارجية الأمريكية بمناسبة تعيين مبعوث خاص للشرق الأوسط وآخر لباكستان وأفغانستان، إذ أكد على العناصر الإيجابية الكثيرة في مبادرة السلام العربية.