بطلان اتفاقية رايس – ليفني
في مساء يوم السبت 20/1/1430هـ الموافق 17/1/2009 أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار من جانبها في قطاع غزة بعد أن دكت وقصفت من الجو والبحر والبر هذا القطاع لمدة 22 يوماً متواصلة مستخدمة في ذلك أحدث ما في ترسانتها الحربية من أسلحة متطورة ومدمرة بما في ذلك أسلحة محرمة دولياً مثل القنابل الفوسفورية. وقد قدر الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء حصيلة العدوان الإسرائيلي عدد الضحايا 1310 شهداء و5400 جريح وأن عدد الضحايا سيزداد بعد استكمال عمليات البحث واستخراج الجثث من تحت أنقاض المنازل المدمرة، حيث تم تدمير 22 ألف مبنى بعضها بشكل كلي. في حين قدرت الخسائر الاقتصادية بنحو ملياري دولار. وفي اليوم التالي من الإعلان الإسرائيلي بوقف إطلاق النار أعلنت فصائل المقاومة الفلسطينية وقف إطلاق النار من جانبها وأمهلت إسرائيل أسبوعاً لسحب قواتها من قطاع غزة. وكان الأمر اللافت للانتباه أنه في اليوم السابق للإعلان الإسرائيلي لوقف إطلاق النار أي في يوم الجمعة 16/1/2009، وقبل ثلاثة أيام من انتهاء ولاية الرئيس جورج بوش وقعت الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في وزيرة خارجيتها كوندليزا رايس، وإسرائيل ممثلة في وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني اتفاقية سميت (مذكرة تفاهم) بشأن منع ما وصفته هذه الاتفاقية (تهريب الأسلحة) إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة من البر والبحر والجو. ولم يكشف النقاب عن تفاصيل بنود هذه الاتفاقية ولكن وسائل الإعلام ذكرت أن الولايات المتحدة الأمريكية التزمت بموجب هذه الاتفاقية بتقديم مساعدات لوجيستية وتكنولوجية لإسرائيل لضمان السيطرة أمنياً على المعابر بين قطاع غزة وإسرائيل ومصر والحيلولة دون وصول أسلحة إلى حركة حماس. بالإضافة إلى مراقبة البحار والمضايق البحرية في المنطقة الممتدة من مضيق جبل طارق غرب البحر الأبيض المتوسط حتى مضيق هرمز في الخليج العربي.
وفي تقدير بعض المراقبين والمحللين السياسيين أن هذه الاتفاقية أبرمت من أجل إخراج إسرائيل من المأزق الذي وجدت نفسها فيه حيث تعذر عليها تحقيق الهدف الرئيسي من عدوانها المسلح وهو إخضاع المقاومة الفلسطينية وكسر إرادتها ومنعها من إطلاق صواريخها ضد المستوطنات اليهودية فكان لابد من إجراء يحفظ ماء وجه إسرائيل قبل وقف عملياتها الحربية فتمخض التفاهم مع الولايات المتحدة فولد هذه الاتفاقية.
وفي تقديري أن هذه الاتفاقية تعد من الناحية القانونية باطلة للأسباب التالية:
أولاً: إنها فرضت حظراً على دخول السلاح إلى قطاع غزة دون أي سند قانوني دولي صحيح. فضلاً عن أنها ستؤدي إلى فرض حصار دولي على القطاع تحت قيادة الولايات المتحدة ليس له أيضاً أي سند قانوني صحيح.
ثانياً: إنها تنطوي على إعاقة حرية الملاحة في أعالي البحار والمياه الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط على نحو يخالف القانون الدولي للبحار، ويشكل اعتداء على حقوق وسيادة الدول الأخرى.
ثالثاً: إنها تهدف إلى فرض رقابة دولية تحت مظلة أمريكية إسرائيلية على حدود مصر مع قطاع غزة، وهذا ما رفضته مصر رفضا قاطعاً. بل أعلن الرئيس المصري حسني مبارك أن مصر لا تقبل بوجود قوات (مراقبين) أجنبية على أراضيها وحدودها وأن ذلك خط أحمر لن يسمح بتجاوزه لأنه يمس أمن مصر القومي. وأشار الكاتب الصحافي محمد عبد الهادي في مقاله المنشور في جريدة "الأهرام" بتاريخ 19/1/2009 إلى أن الاتفاقية الأمريكية الإسرائيلية أثارت غضب مصر لأسباب عديدة على رأسها أنها تبعث برسالة خبيثة تحاول إسرائيل ترويجها وهي أن مصر ليست لها سيادة كاملة على أرض سيناء ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي مما يسهل تهريب السلاح إلى "حماس"، وهو أمر ترفضه مصر جمة وتفصيلاً وتدحضه الجهود المصرية لمنع جميع أشكال التهريب التي أشادت بها تقارير حضور الكونجرس الأمريكي التي تفقدت منطقة الحدود في الفترة من 2004 إلى 2008 إلى الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها برئاسة جورج بوش. تلك التقارير التي أشادت بجهود مصر وتحدثت عن تجاوزات إسرائيلية تتمثل في الاستخدام العشوائي لإطلاق النار.
كما أشار الكاتب إلى أن الاتفاقية تخالف أيضا البروتوكول الخاص بالانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن الملحق بمعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية عام 1979 خاصة أحكام المادة الثانية فضلاً عن أنها - تثير تحت مظلة منع تهريب السلاح – الشبهات حول مخالفة البند رقم 5 من الفقرة "د" من المادة المذكورة آنفاً حيث لا يسمح هذا البند باجتياز الحدود الدولية سوى من خلال نقاط المراقبة فقط والمحددة من جانب كل طرف وتحت سيطرته، وفقاً للقوانين والنظم المعمول بها من جانب كل دولة.
كما أن الاتفاقية تخالف مضمون رسالة وزير الخارجية الأمريكية ألكسندر هيج إلى نظيره المصري كمال حسن علي يوم 3 آب (أغسطس) 1981 بشأن تشكيل القوات متعددة الجنسيات في سيناء وإسرائيل وعملها وعمل المراقبين التي شددت على أهمية التشاور الثلاثي بشأن الترتيبات الأمنية في المنطقة. وقد أصبحت هذه الرسالة جزءاً من المعاهدة والملحق.
كما تنتهك الاتفاقية المذكورة أحكام المادة الرابعة من معاهدة السلام التي تنص على أنه لا يجرى أي تعديل في ترتيبات الأمن إلا باتفاق الطرفين المصري والإسرائيلي. ثم أشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتجاهلان التصريحات المصرية بأن عمليات تهريب السلاح تتم من البحر، ومن ثم فإن الأمر يتطلب تعزيز القوة البحرية في المياه الإقليمية شمال المنطقة "ج" المنصوص عليها في بروتوكول الانسحاب وترفض مصر وجود أي قوات من أي نوع للقيام بعمليات مراقبة في تلك المنطقة بما يمس السيادة وهو كما قال الرئيس مبارك خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه. وقد أثارت إسرائيل الدعاوى بتهريب السلاح عبر الأراضي المصرية في سيناء لأول مرة عقب أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 في إطار محاولاتها ربط عملياتها العسكرية ضد المقاومة المشروعة للاحتلال بالحرب على الإرهاب التي أعلنها بوش.
وشنت حملة في هذا الصدد عقب حادث طابا الإرهابي "المشبوه" في تشرين الأول (أكتوبر) 2004. وزادت حدة الحملة والترويج لعدم سيادة مصر الكاملة في سيناء قبيل انسحابها من قطاع غزة في آب (أغسطس) 2005. بعدما رفضت مصر اقتراحها إنشاء جدار عازل على الحدود مع مصر من رفح الفلسطينية حتى ميناء إيلات، وقد أبلغ وزير الخارجية أحمد أبو الغيط الإدارة الأمريكية خلال زيارته واشنطن في شباط (فبراير) 2005 استعداد مصر لمنع جميع أعمال التهريب والأنشطة غير القانونية لكن في إطار السيادة المصرية. ثم أضاف الكاتب أنه مما يثير الدهشة أن إدارة الرئيس بوش لم تتجاوب في حينه مع الحملة الإسرائيلية بل أعلن وزير الدفاع (السابق) دونالد رامسفيلد أنه يبحث وسيلة لخفض عدد الجنود الأمريكيين 900 العاملين في قوة حفظ السلام بسيناء وقد وقعت مصر مع إسرائيل في أول أيلول (سبتمبر) 2005 بروتوكولا لنشر 750 جندياً من قوات حرس الحدود المصرية على الحدود مع القطاع (14 كيلومترا) من أجل توفير كل عناصر النجاح للانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة بما في ذلك محور صلاح الدين (فيلادلفي). ولم تتجاوب إسرائيل مع مطالب مصرية أخرى لسد الذرائع أمام الدعاوى الإسرائيلية. واستمرت في الشكوى من تهريب السلاح. ووقعت مع الولايات المتحدة مذكرة التفاهم التي ترفض مصر التعامل معها كونها ليست طرفاً فيها وتمس بالسيادة المصرية.
رابعاً: والسبب الرابع والأهم في تقديري لبطلان اتفاقية رايس – ليفني أنها تتعارض تعارضا كلياً مع حق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. وقد أشرنا في مقالات سابقة إلى أن القانون الدولي المعاصر يقر بشرعية قيام حركات التحرير الوطني باستخدام القوة المسلحة من أجل الحصول على حقها في تقرير المصير وتحرير أراضيها من نير الاستعمار أو الاحتلال الأجنبي أو النظم العنصرية" كما أن الاتفاقية المذكورة تتعارض مع جميع قرارات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية وأخص منها هنا بالذكر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3236 لعام 1974 والذي لأهميته أذكر هنا نصه الحرفي:
(إن الجمعية العامة بالنظر إلى قضية فلسطين تبدي عميق القلق نظراً لعدم إنجاز حل عادل لمشكلة فلسطين وتعترف بأن مشكلة فلسطين مازالت تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
وتقر بأن الشعب الفلسطيني يمتلك الحق في تقرير المصير وفقاً لنصوص ميثاق الأمم المتحدة.
وتعبر عن قلقها العميق في أنه قد تمت الحيلولة بين الشعب الفلسطيني والتمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف، ولاسيما حقه في تقرير المصير. واهتداء بأهداف ومبادئ الميثاق.
تذكر بقراراتها ذات الصلة التي تؤكد فيها على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
1- تؤكد أن الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني تشمل:
(أ) الحق في تقرير المصير بدون تدخل خارجي.
(ب) الحق في الاستقلال الوطني والسيادة.
2- تؤكد أيضاً على الحق غير القابل للتصرف للفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي فروا أو طردوا منها.
3- تؤكد أن الاحترام الكامل لهذه الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني لا غنى عنها من أجل حل مشكلة فلسطين.
4- تؤكد أن الشعب الفلسطيني طرف أساسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط.
5- كذلك فإنها تعترف بحق الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه بكل الوسائل الممكنة وفقاً لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
6- تدعو جميع الدول والمنظمات الدولية إلى تقديم دعمهم للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل استعادة حقوقه، وفقاً لنصوص الميثاق.
7- تطلب إلى السكرتير العام أن يتشاور مع منظمة التحرير الفلسطينية في كل المسائل المتعلقة بمشكلة فلسطين.
8- تطلب إلى السكرتير العام أن يقدم تقريراً إلى الجمعية العامة في دورتها الـ 30 عن تنفيذ التطور الحالي.
9- تقرر إدراج بند "قضية فلسطين" في الجدول المؤقت لأعمال الدورة الـ 30).
ومما تقدم يتضح أن البند الخامس من القرار المذكور يعترف بحق الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه بكل الوسائل الممكنة. ومن هذه الوسائل التي يعترف بها القانون الدولي الكفاح المسلح. إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتجاهلان جذور المشكلة التي لا تكمن في توريد السلاح للمقاومة الفلسطينية وإنما في استمرار الاحتلال الإسرائيلي وممارساته القمعية ضد الشعب الفلسطيني وما يترتب على ذلك من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. إن إسرائيل هي التي جعلت وسيلة الكفاح المسلح أمراً لا مندوحة عنه لأن تعنتها وسياستها التوسعية جعلت مفاوضات التسوية السلمية التي بدأت بينها وبين السلطة الفلسطينية منذ نحو 14 عاماً عملية عبثية ليس لها محصول ولا طائل منها، كما أن الدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل بشتى أنواعه والذي يؤمن لها التفوق العسكري المستمر على جميع الدول العربية ويحميها من أي عقاب دولي جعل إسرائيل دولة إرهابية مارقة لا تقيم للقانون الدولي وزناً وليس أدل على ذلك من استخدامها المفرط للقوة العسكرية في عدوانها على لبنان في صيف عام 2006 وعدوانها الأخير على قطاع غزة وما ترتب على ذلك من قتل عشوائي للمدنيين وتدمير المنازل والمدارس والمستشفيات والمنشآت المدنية المختلفة واستخدام أسلحة محرمة دولياً وغير ذلك من الأعمال التي يدرجها القانون الدولي الجنائي ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ولعل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك حسين أوباما، تدرك هذه الحقيقة فتتخذ موقفاً أدنى إلى الإنصاف والعدل.