وزارة العمل .. ثمرة غير ناضجة

على مدى سنوات بقيت وزارة العمل تبذل جهودا جبارة ومخلصة في سبيل القضاء على البطالة، أثمرت كثير من هذه الجهود عن توظيف عديد من السعوديين في مختلف المجالات، وعلى جميع المستويات الوظيفية، الذين بدأت تعج بهم ردهات الشركات والمؤسسات الوطنية، وهي في الجملة جهود جبارة قامت بها وزارة العمل تشكر عليها.
خلال السنوات الماضية دارت حروب خفية بين وزارة العمل والقطاع الخاص، وكان السلاح الهجومي لدى وزارة العمل الأنظمة والتأشيرات، في حين كانت الدروع الدفاعية لدى القطاع الخاص هشة وتعتمد على التكتلات أمام الوزارة، وعلى صعيد آخر استخدم بعض المستثمرين الخنادق غير النظامية لتجاوز أجهزة وزارة العمل، حيث كان المستثمرون يشترون التأشيرات ويدفعون ويلجأون إلى الوساطات .. إلخ لحل مشاكلهم بعيدا عن أنظمة الوزارة ورقابتها وأجهزتها التنفيذية.
كان لدى الوزارة هجوم مبرر باسم الوطن والمجتمع لحل مشاكل البطالة، وكانت السعودة شعاراً فضفاضا لحملات الوزارة في هذا الصدد، في حين كان المستثمرون يرون أن السعودة مهمة ولكنها تطبيق لفكرة جميلة في الزمان والمكان الخطأ.
ومع ذلك فقد حاصرت الوزارة المستثمرين وفرضت قوانينها.. وسعودت بعض الوظائف في القطاع الخاص في حملة ضخمة آتت أكلها، من حيث تعيين كثير من الشباب، مع تساؤل كبير حول مدى الجدوى الاقتصادية لهذه الحملة للقطاع الخاص.
للأسف كان ومازال العامل السعودي محل شك في نظر عديد من المستثمرين، وما زال الجدل قائما حول مهنية وكفاءة العامل السعودي، ولم يحسم بعد لمصلحته أو ضده.
اتفق الجميع على أن العامل السعودي أكثر تكلفة من العامل الأجنبي، خاصة إذا ما قورن بالإنتاجية، ومع ذلك فقد أصرت وزارة العمل على تعيين الشباب من الجنسين، بشتى السبل، مهما كانت التكلفة حتى إن رواتب بعض الموظفين السعوديين في القطاع الخاص تزايدت إلى أرقام كبيرة خلال العقد الأخير، بعد أن كان الحد الأعلى للراتب الشهري لمدير الشركة المساهمة المدرجة لا يتجاوز الـ 50 ألف ريال.
حصلت الصدمة .. وبدأنا نسمع عن إقالات في البنوك وفي كثير من الشركات، وبالطبع إذا بدأ المطر وانهمر سيصلك السيل، ومن الطبيعي إذا بدأت الشركات في تخفيض النفقات ستبدأ بالأعلى تكلفة وبالأقل إنتاجية .. ويجب على الوزارة أن تدرك أن المحرك للشركات اقتصادي بالدرجة الأولى، وبالتالي فإن أي شركة لن تتخلى عن موظفيها الأكفاء أو الأقل كلفة في سبيل تحقيق أهداف الوزارة.
من أخطاء الوزارة أو غيرها أن توصف هذه الشركات بعدم الوطنية لأنها بحثت عن مصالحها، حيث إن التوجه الصحيح أن تساعد هذه الشركات في تحقيق أهدافها الأساسية والتشغيل الأمثل لمواردها، ومن ذلك البقاء على قيد الحياة، حيث إن التوجه إلى إبقاء السعوديين فقط بغض النظر عن تكلفتهم ومهنيتهم قد ينتهي بانتهاء الشركة وتصفيتها وبالتالي سنرى الموظفين إلى جانب الملاك يقفون في طابور البطالة الطويل.
كنت أود أن أسمع عن برامج توعوية من الوزارة للسعوديين تحثهم على العمل الجاد والكفء والأمين، وعلى مضاعفة الجهود خاصة في ظل مثل هذه الأزمة، مركزة على أن بقاءهم يرتكز على المنافسة مع باقي موظفي القطاع من غير السعوديين الذين لديهم الاستعداد للعمل أكثر وبجهد أكبر وبتكلفة أقل . . بدلا من التهديد والوعيد الذي يضر ولا ينفع.
أتساءل هنا .. أين دور صندوق الموارد البشرية في مثل هذه الظروف .. بل أين موقف وزارة العمل الإيجابي الذي يجب عليها القيام به وهو توجيه العاملين في القطاع الخاص وتحفيزهم وتعليمهم وتدريبهم بدلا من حمايتهم بشكل سلبي، والمتوقع أيضاً أن نرى دوراً إيجابيا من وزارة التجارة والصناعة لحماية السوق من فرض أنظمة للعمل، تعين الموظف بقوة القانون، ولا تستطيع أن تنهي خدماته لأنه محمي بسطوة القانون.
لا أقف مع المستثمرين .. ولكني ضد توجه الوزارة نحو إقحام المواطنين في أي شغلة بهذا الشكل الصارخ الرخيص، وأدعو وزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة للاستثمار والغرف التجارية إلى اتخاذ موقف مغاير واتجاه إيجابي نحو أعملة المواطنين (تحويل المواطنين إلى رجال أعمال ومستثمرين)، وبذلك نحقق الأهداف الوطنية من دون أن يخسر أحد.
جاء الوقت الذي ترى فيه الوزارة ثمرتها غير الناضجة، فالتعيين بالقوة، والمجاملة لغير الأكفاء ممكن في وقت الرخاء، حيث يعتبره بعض المؤسسات جزءا من حملة علاقات عامة، أو بعضا من التكاليف التسويقية، ولكن إذا جاء الجد انتهت المجاملة وسقطت الأقنعة، فلذلك سيكون البقاء للأفضل والأكفأ والأقل تكلفة .. بمعنى آخر سيكون البقاء للأقدر على المنافسة حتى لو كان عاملا بنجالياً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي