احتيال في البحر لم ينجح
من المرجح أن الكثير من قراء "الاقتصادية"، ولا سيما المشتغلين بالتجارة، لا يزال يحتفظ في الذاكرة بصور أو وقائع مرتبطة بالأزمة الخانقة التي شهدتها الموانئ البحرية في منطقة الخليج، ومن بينها الموانئ السعودية، في منتصف الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي وما كانت عليه من أحوال ران عليها التكدس والازدحام، فبينما تعد الموانئ بوابات التجارة شكلت يومئذ عنق زجاجة أعاقت برامج التنمية وأرهقتها بتكاليف باهظة بسبب ارتفاع أجور الشحن وغرامات الانتظار التي فرضتها الشركات الملاحية على البضائع الواردة لدول المنطقة.
في تلك الأيام التي أطلق عليها اسم الطفرة الأولى كانت المملكة، مع القفزة الكبيرة في أسعار البترول، ورشة عمل في كل بقاعها تقريبا ما تطلب تدفقا سريعا غير مسبوق من الواردات من معدات ومواد بناء وغيرها بمعدلات فاقت إمكانات المنافذ البحرية. ذلك العجز في القدرات تحول إلى طوابير طويلة من السفن الراسية خارج أرصفة الموانئ لمدد وصلت إلى ستة أشهر في بعض الأحيان انتظارا لوصول دورها في التفريغ. ولم تقتصر الطوابير على البحر فحسب، بل سارت قوافل من الشاحنات على الطرق البرية محملة بالبضائع من كل مكان في أوروبا وتركيا ولبنان إلى المملكة لتفادي الازدحام في الموانئ.
لم تقف المملكة مكتوفة الأيدي تجاه ذلك الاختناق في موانئها، بل تصدت له بحزمة من القرارات والخطوات العاجلة، وإن كان بعضها مكلفا، فيما وضعت برنامجا شاملا لتوسعة الموانئ وتطويرها على المدى الطويل. من بين الخطوات العاجلة التي اتخذت لتخفيف التكدس استخدام الصنادل لتفريغ البضائع من السفن الواقفة في عرض البحر ثم نقلها إلى نقاط تفريغ داخل حدود الميناء كما كان الحال في الدمام، أو خارج حدود الميناء بالنسبة لجدة التي فرضت الظروف التشغيلية في ذلك الوقت إنشاء منطقة رسو مؤقتة لتفريغ الصنادل في موقع شمال الميناء،غير بعيد منه، أصبح فيما بعد جزءا من الكورنيش.
غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لاحتواء مشكلة التكدس، بل تفاقمت واتسعت تداعياتها ما دعا الحكومة إلى اللجوء لوسائل غير تقليدية لنقل البضائع من السفن إلى الشاطئ كالطائرات العمودية (الهيلكوبتر) التي استخدمت في جدة لتفريغ الأسمنت المكيس بانتشال ربطاته من ظهور السفن إلى الساحات الظهيرة للمستودعات تمهيدا لتحميلها على شاحنات التجار. ومن تلك الوسائل غير التقليدية التي استخدمت أيضا سفن برمائية قادرة على السير على اليابسة لنقل البضائع مباشرة من السفن الرابضة في عرض البحر إلى ساحات تجميع تم تجهيزها بشكل مؤقت بالقرب من موقع المصفاة جنوب الميناء، لكن نجاح السفن البرمائية كان يتوقف على شق قناة بحرية خلال إحدى الشعاب المرجانية الكبيرة التي كانت تشكل حاجزا بين المياه العميقة وبين الوصول إلى الساحل ومن ثم ساحات التجميع، وهي خطوة كان ينبغي إنجازها قبل البدء في تلك العمليات.
قي تلك الأثناء رأت الحكومة أن السبب الرئيس لأزمة الموانئ وارتباك العمل فيها هو تداخل الصلاحيات وبعثرة المسؤولية بين أكثر من جهة، ومن ثم كان لا بد من توحيد تلك المسؤولية في جهة واحدة وعليه صدر مرسوم ملكي في غرة شهر رمضان المبارك عام 1396هـ بإنشاء المؤسسة العامة للموانئ السعودية التي أسندت إليها مهام إدارة وتشغيل جميع الموانئ البحرية، عدا الموانئ العسكرية.
كان من بين ما لفت نظر المؤسسة في أيام عملها الأولى عقد السفن البرمائية في ميناء جدة الإسلامي وحالة التعليق التي كان عليها في انتظار ممر بحري آمن يمكن لتلك السفن سلوكه. بالطبع لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام المؤسسة في تلك الظروف الصعبة، فسارعت إلى استدراج عرض من شركة لها معدات موجودة بالقرب من الميناء لتوفير ذلك الممر بحفر قناة ذات أعماق ملائمة عند أقصر مسافة في عرض الشعب المرجانية العائقة لعبور تلك السفن. كان جدول الكميات في العرض مختصرا، ربما لم يتجاوز بندين أو ثلاثة ما ساعد على إبرام العقد بشكل عاجل وتعميد المقاول بالبدء فورا في العمل، لكن كان في انتظار المؤسسة مفاجأة لم تكن متوقعة، إذ إثر تبليغ العقد لميناء جدة لمتابعة تنفيذه، تنبه الميناء إلى وجود عقد آخر مماثل أبرمته وزارة المواصلات، قبيل إنشاء المؤسسة، مع المقاول نفسه لتنفيذ العمل ذاته بالأسعار نفسها تقريبا. أي أن المقاول أراد أن يحصل على قيمة العقد مرتين.
استشاطت المؤسسة غضبا من تلك المحاولة للاحتيال على المال العام فألغت العقد، وألزمت المقاول بتنفيذ العقد الأول المبرم بينه وبين وزارة المواصلات الذي آلت مسؤولية الصرف عليه إلى المؤسسة ضمن بقية العقود الأخرى التي ورثتها من الوزارة فيما يخص الموانئ، لكن القصة لم تنته عند ذلك الحد، فقد رفعت المؤسسة محاولة الاحتيال تلك إلى المقام السامي الذي أمر بإحالة الموضوع إلى ديوان المظالم. ولم تستغرق دراسة القضية وقتا طويلا لدى الديوان وانتهت بصدور حكم بمنع المقاول من المشاركة في المنافسات والأعمال الحكومية لمدة ثلاث سنوات.
لم يجن المقاول من محاولته الاحتيال على المال العام سوى الفضيحة والحرمان من فرص عمل شريفة كانت يمكن أن تدر عليه أضعاف ما سولت له نفسه.