العدوان الإسرائيلي على غزة والقانون الدولي الإنساني
في مجال الحماية الدولية لحقوق الإنسان يوجد قانونان, القانون الدولي الإنساني والقانوني الدولي لحقوق الإنسان. ويقصد بالقانون الأول مجموعة القواد التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وقت الحرب وأثناء النزاع المسلح, أما القانون الآخر فهو القانون الذي ينظم ويحمي حقوق الإنسان في زمن السلم.
ومن أهم مصادر القانون الدولي الإنساني اتفاقيات جنيف الأربع المبرمة سنة 1949, وهي:
1 ـ اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى في القوات المسلحة في الميدان, التي جاءت تعديلا للاتفاقيات الخاصة بهم من قبل وهي اتفاقية جنيف لسنة 1864 وتعديلاتها في سنة 1906 وسنة 1929.
2 ـ اتفاقية جنيف الثانية لتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من القوات المسلحة في البحار التي جاءت تعديلات لاتفاقية جنيف لسنة 1899 وسنة 1907.
3 ـ اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب, وهي التي تضمنت نصوص اتفاقيات لاهاي الخاصة بأسرى الحرب لسنة 1899 وسنة 1907 واتفاقية جنيف لسنة 1929.
4 ـ اتفاقية جنيف الرابعة والخاصة بحماية المدنيين في حالة الحرب والاحتلال الحربي, وتعد هذه الاتفاقية مكملة لاتفاقيات لاهاي الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية سواء المبرمة في 29/9/1899 أو المبرمة في 18/5/1907.
وفي سنة 1977 تم إبرام بروتوكولين إضافيين لسد النقص الذي اعترى اتفاقيات جنيف الأربع, فقد وسع البروتوكول الأول الإضافي من فكرة النزاعات المسلحة الدولة بحيث أصبحت تغطي المقاومة المسلحة للشعوب الرازحة تحت الاحتلال الأجنبي أو السيطرة الاستعمارية لنيل الحقوق في تقرير المصير, كما يشمل أيضا أعمال المقاومة المسلحة التي تشنها الشعوب ضد نظم التفرقة العنصرية, أما البروتوكول الثاني فإنه يشمل إضافة جديدة مهمة وهي توفير الحماية الملائمة لضحايا الحروب الأهلية داخل أي دولة.
لقد نصت المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول على أنه "يجب أن تعمل الأطراف المتحاربة على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين, وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية, ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها, وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان". ويبدو واضحا من نص هذه المادة أنها تلقي على عاتق الأطراف التزاما صريحا بقصر هجماتها على الأهداف العسكرية فقط وضرورة حماية السكان المدنيين, وأوضحت المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول مفهوم الأعيان المدنية على النحو التالي:
1 ـ لا تكون الأعيان المدنية محلا للهجوم أو لهجمات الردع, والأعيان المدنية هي جميع الأعيان التي ليست أهدافا عسكرية وفقا لما حددته الفقرة الثانية.
2 ـ تقصر الهجمات على الأهداف العسكرية فحسب, وتنحصر الأهداف العسكرية فيما يتعلق بالأعيان على تلك التي تسهم مساهمة فاعلة في العمل العسكري, سواء كان ذلك بطبيعتها أم بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها, والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة.
3 ـ إذا ثار الشك حول إذا ما كانت عين ما تكرس عادة لأغراض مدنية مثل أماكن العبادة أو أي مسكن آخر أو مدرسة, إنما تستخدم في تقديم مساهمة فاعلة للعمل العسكري فإنه يفترض أنها لا تستخدم كذلك.
كما تضمن البروتوكول الإضافي الأول القواعد التالية:
1 ـ يتمتع السكان المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية, سواء كانت هذه العمليات دفاعية أو هجومية ضد الخصم, وذلك في أي إقليم تشن منه, بما في ذلك الإقليم الوطني لأحد أطراف النزاع والواقع تحت سيطرة الخصم سواء في البحر أو البر أو في الجو, ولا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا محلا للهجوم.
2 ـ يحظر على الدول الأطراف القيام بأي عمل من أعمال العنف أو التهديد به بقصد بث الذعر بين السكان المدنيين, كما يحظر القيام بأي هجمات عشوائية يكون من شأنها أن تصيب الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنيين دون تمييز, كما يحظر القيام بهجمات الردع ضد السكان المدنيين.
3 ـ يجب على كل طرف في النزاع المسلح أن يتخذ كل الاحتياطات أثناء الهجوم لتفادي إصابة السكان والأشخاص المدنيين والأعيان المدنية.
كما خص البروتوكول الثاني المدنيين بحمايته سواء أكانوا أفرادا أو جماعة, ضد الهجمات وآثار هذه الهجمات, وذلك بمنع توجيه الهجمات ضدهم, وحرم كل عمل قد يبث الذعر بين السكان المدنيين, أي أنه حرم الإرهاب. هذا إضافة إلى منع ترحيل السكان قسرا, إلا في حالات الضرورة القصوى, كما منع إرغام المدنيين على النزوح وحرم إخضاعهم للمجاعة أو حرمانهم من وسائل الري أو من المياه العذبة.
وبصفة عامة نقول حظرت اتفاقية القانون الدولي الإنساني وأعمال الإكراه والتعذيب والعقاب الجماعي وأخذ الرهائن وترحيل السكان وأعمال العنف والهجمات العشوائية ضد السكان المدنيين, كما منحت النساء والأطفال حماية خاصة إضافية. ووضعت هذه الاتفاقيات أيضا قواعد خاصة لحماية دور العبادة والأعيان الثقافية وحماية أفراد الخدمات الطبية وعمال الإغاثة وحماية البيئة الطبيعية أثناء النزاع المسلح وغير ذلك من القواعد الهادفة إلى حماية الأبرياء وتقليل أضرار الحرب والمنازعات المسلحة. بل أوجبت على أطراف النزاع وضع الترتيبات اللازمة لتسيير عمل فرق البحث عن الموتى وتحديد هويتهم والتقاط جثثهم من مناطق القتال ودفنهم والمحافظة على المدافن وصيانتها. ولسنا هنا بصدد شرح جميع قواعد اتفاقيات القانون الدولي الإنساني وتكفي هنا الإشارة إلى أهمية احترام وتنفيذ هذه القواعد وتعرض المخالفين لها سواء كانوا دولا أو أفرادا إلى المسؤولية الدولية والمسؤولية الجنائية.
لقد انتهكت إسرائيل جميع المبادئ والقواعد المنصوص عليها في اتفاقيات القانون الدولي الإنساني وذلك بقصفها المستمر جوا وبحرا وبرا المنازل والمساجد والمدارس والمستوصفات والمراكز الطبية واستهدافها السكان المدنيين واستخدام أسلحة محرمة دوليا مثل قنابل الفوسفور الأبيض وإعاقتها عمليات الإغاثة ونقل الجرحى وعلاجهم وقصف المقابر والاستمرار في فرض الحصار الخانق على سكان قطاع غزة ومنع حصولهم على ما يلزمهم من مواد الإعاشة والدواء والمستلزمات الطبية. وغير ذلك من الأعمال التي يدرجها القانون الدولي الجنائي ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة. وأشير في هذا الصدد إلى أن مجلس الوزراء السعودي أصدر بيانا بعد انعقاد جلسته الأسبوعية برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يوم الإثنين 15/1/1430هـ الموافق 12/1/2009, تضمن وصفا صحيحا لما يجري الآن في قطاع غزة بأنه حرب إبادة تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني تجرد القادة الإسرائيليين من إنسانيتهم وتضع سياساتهم في مصاف سياسات الإبادة العنصرية. كما أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة دان العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وقرر تكوين لجنة لتقصي الحقائق حول انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في هذا القطاع.
وأكد تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة "أوتشا" التابع للأمم المتحدة, تضاعف الأزمة الإنسانية في قطاع غزة وتزايد أعداد الخسائر البشرية, فضلا عن نفاد عديد من السلع الغذائية الأساسية بما في ذلك الغذاء للرضع والأطفال الذين يعانون سوء التغذية. كما ذكر تقرير وزعه المركز الإعلامي للأمم المتحدة في القاهرة أن القصف الإسرائيلي على غزة يسبب دمارا كبيرا للمنازل والبنية التحتية العامة وخدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء التي تتهددها المخاطر, مشيرا إلى القلق والخطر المتزايد من احتمال انتشار الأوبئة بسبب انقطاع عمليات التطعيم وعدم جمع النفايات الصلبة التي توجد في الشوارع, وأن مياه الشرب غير آمنة.
ولعل ما يلفت الانتباه أن المجازر الإسرائيلية الوحشية وتصاعد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة حركت المشاعر الإنسانية لدى شعوب الأرض قاطبة فخرجت المظاهرات في مختلف أرجاء العالم تنادي بوقف الحرب العدوانية الإسرائيلية وإنقاذ سكان غزة من المحرقة التي أشعلتها إسرائيل إلا أن الجرائم الإسرائيلية البشعة لم تحرك مشاعر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش, لكنه أصيب بالحزن والأسى لوفاة قطته, وأصدر البيت الأبيض بيانا ينعى فيه هذه القطة للأمة الأمريكية. حقا إن بوش سيغادر الرئاسة بعد ثلاثة أيام ويرحل وعاره في يديه كما قال الشاعر الكبير فاروق جويدة في قصيدته الرائعة التي نشرها في جريدة "الأهرام" يوم 9/1/2009, وأذكر هنا بعضا من أبياتها:
كل الذي أخفيته يبدو عليك
فاخلع ثيابك وارتحل
اعتدت أن تمضي أمام الناس دوما عاريا
فارحل وعارك في يديك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة
أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر عصفورة بيضاء
تعفو في ثيابك
ربما سكنت إليك
لا تنتظر أما تطاردها دموع الراحلين
لعلها تبكي عليك
لا تنتظر صفحا جميلا
فالدماء السود ما زالت تلوث راحتيك
وعلى يديك دماء شعب آمن
مهما توارت لن يفارق مقلتيك
كل الصغار الضائعين
على بحار الدم في بغداد صاروا
وشم عار في جبينك
كلما أخفيته يبدو عليك
كل الشواهد فوق غزة والجليل
الآن تحمل سخطها الدامي
وتلعن والديك
ماذا تبقى من حشود الموت
في بغداد قل لي
لم يعد شيء لديك
هذه نهايتك الحزينة بين أطلال الخرائب
والدمار يلف غزة
والليالي السود شاهدة عليك
فارحل وعارك في يديك
الآن ترحل غير مأسوف عليك
ثم يختتم القصيدة بقوله:
فاخلع ثيابك وارتحل
وارحل وعارك في يديك
فالأرض كل الأرض ساخطة عليك