طوق النجاة في زمن الركود

في مواسم النمو وفصول الربيع ورواج الاقتصاد ليس هناك وقت للتفكير فيما يجب أن تفعله المؤسسات فهي مشغولة بالإنتاج والبيع والتوسع، حتى إن كثيرا من هذه المؤسسات يقيم المشاريع من دون دراسات للجدوى، وتبدأ أعماله من دون خطط للتنفيذ، ولا يتفرغ للتخطيط الاستراتيجي .. ليس لعدم القناعة بها ولكن للقناعة بأن السوق سيستوعب كل شيء، والتوسع يتمدد في كل الاتجاهات.
لكن .. عندما يبدأ الركود أو تلوح مؤشراته .. تبدأ الحيرة والتخبط .. ويتقلب المديرون والملاك للبحث عن العصا السحرية، وفي الأزمات المالية يبيت الحليم حيراناً، ويتساءل كثيرون ما الذي يجب القيام به، وأكثر المؤسسات تعرضا للخطر هي المؤسسات التي تعمل في الأنشطة التي تتأثر تأثيرا مباشرا بالركود، وكذلك المؤسسات التي لم يشب عودها بعد فهي مازالت في مرحلة الحضانة، وأخيرا المؤسسات التي تعاني أصلاً مشاكل في هيكلتها التمويلية وبالتالي زادها الجفاف ذبولاً.
ينصح كثير من الخبراء باتخاذ خطوات استباقية لمواجهة الركود، وعدم الاستسلام للموت البطيء، وفيما يلي حزمة من النصائح للمؤسسات ليس لمواجهة الركود ولكن للتغلب على آثاره التي قد تنتهي بانهيار الشركات أو إفلاسها لسبب أو لآخر، وقد يكمن طوق النجاة في واحد أو أكثر منها:
1) يجب معرفة أبعاد الأزمة (تضخم – ركود – كساد .. إلخ) وآثارها في نشاط المؤسسة، سواء كان التأثير مباشراً أو غير مباشر، بمعنى قد يكون التأثير جانبياً ينصب على عملاء المؤسسة أو على الاستيراد أو على أسعار المواد الخام .. الخ.
2) تركيز المؤسسة على مواصلة البقاء (البيات الشتوي)، بحيث تعمل وفق أقل حالات الطاقة، مما يجعلها تسير أمورها بأقل جهد ممكن، لتبقى على قيد الحياة.
3) تنويع مصادر الدخل للمؤسسة والدخول في أنشطة جديدة سواء في نفس سياق النشاط الرئيسي أو في أنشطة مبتكرة.
4) إظهار وإبراز قوة المؤسسة وثقتها بنفسها، والبقاء بشكل مستمر في الأذهان.
5) التواجد على الساحة، فالمنتجات في الأسواق، والاسم على كل لسان، والاتصالات مع العملاء جارية .. الخ.
6) البحث عن العملاء الجادين، والابتعاد عن الوعود غير الحقيقية والفرص الوهمية.
7) إيقاف مصادر النزيف المالي، فالصرف في الرخاء يختلف عن الصرف في الشدة، فيجب اتباع سياسة ربط الحزام، وحفظ القرش الأبيض لليوم الأسود.
8) التفكير خارج الصندوق، فقد تجدي الأفكار والوسائل الجديدة، أكثر من الوسائل التقليدية.
9) التفاف الملاك حول الإدارة ودعم الشركة بكل الطاقات الممكنة، معنويا وماديا، والأهم من ذلك الدعم الاتصالاتي والخبرة، وحل المشاكل.
خطأ كبير يقع فيه كثير من المؤسسات وهو التخلي عن أكثر الناس تكلفة، بينما غالبا قد يكون هؤلاء هم أكثر الناس قدرة على قيادة السفينة إلى بر الأمان، ولعبة التخلي عن الموظفين مقامرة خطيرة، فقد تتخلى عن أفضل العناصر لديك والذين يتحولون إلى المؤسسات المنافسة، كما أن بقاء العاملين مرتفعي التكلفة قد لا يكون مناسبا للأوضاع المالية الجديدة، لذلك يجب الموازنة والحذر عند التخلص من العاملين، مع أهمية العامل الأخلاقي في التعامل مع آلية إقالة العاملين.
ومن أسوأ ما يمكن أن يحدث أن نقع في مصيدة إنكار الحدث، وعدم التصديق بما يحدث، وعدم الاستجابة لردود أفعال السوق، بحجة أن ما يحدث وهم فقط وأنه مبالغة وليس حقيقة، مع أننا نعيش الحدث بكل تفاعلاته، بل إننا نحس بآثاره تصيبنا يمنة ويسرة، وهؤلاء الواهمون سيصحون يوماً على حقيقة أن القطار قد تجاوزهم بينما هم ينكرون وجوده أصلا، وسيحاولون اللحاق بالسرب بعد فوات الأوان.
من أبرز الفرص التي ستتشكل في الفترة المقبلة مبادرات للبيع بأسعار مغرية، وحالات من الاندماج بين المؤسسات العاملة في نفس النشاط مما يخلق تكتلات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة وتخفيضاً للتكاليف، كما ستكون هناك فرص ذهبية للاستحواذ على مؤسسات أخرى وبأسعار مغرية أيضاً، وسيتشكل قانون الغابة في السوق وسيبدأ القوي في افتراس الضعيف.
أتمنى من مؤسساتنا وملاكها والعاملين فيها ألا ينساقوا وراء الاستسلام والابتعاد عن الروح الانهزامية، والتركيز على التفاؤل، والبحث عن الفرص، والنظر إلى الأمام لصناعة المستقبل وليس للاستجابة لما قد يكون أوهاما نبنيها وتعشش داخل عقولنا التي تصنعها واقعاً أمامنا.
أخيرا .. في الأزمات تكمن الفرص، وفي التحديات تحلو الإنجازات، وفي حالك ظلمة الليل ينبلج الفجر، وقوة المؤسسات تكمن في قدرتها على تجاوز الأزمات والمحن، حيث ستتساقط كما أوراق الخريف، وما يبقى منها سيكون أكثر صلابة وقدرة على الوصول إلى القمة بعد تجاوز الأزمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي