تبليغ الميزانية .. الخطوة الأولى

قبل أكثر من أسبوعين أقر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود الميزانية العامة للدولة للعام المالي 1430/1431هـ (الموافق لعام 2009). تلك الجلسة التي عقدت في "روضة خريم" في منطقة الرياض يوم الإثنين 24/12/1429هـ شهدت أكبر ميزانية في تاريخ المملكة العربية السعودية بإنفاق مقدر يبلغ 475 مليار ريال نصفها تقريباً لبرامج ومشاريع جديدة تزيد تكاليفها الإجمالية على 225 مليار ريال بزيادة نسبتها 36 في المائة, عما تم اعتماده في الميزانية المنقضية.
ونقلت وسائل الإعلام أن الملك، إثر اعتماد الميزانية، أكد على "الأهمية القصوى لتنفيذ المشاريع على الوجه الأكمل, وأن يؤدي الإنفاق العام الذي حرصت الدولة على زيادته، الغرض من أجله، وهو نمو الاقتصاد الوطني وحمايته، وتوفير فرص الاستثمار والعمل والكسب فيه، خاصة أن العالم بأسره يمر بأزمة مالية واقتصادية تقتضي منا جميعاً اليقظة والمتابعة والحرص والتعامل مع ما وفرته الميزانية من إمكانات بكفاءة تعظم ـ بإذن الله ـ من نتائجها". كما أكد، حفظه الله، ضرورة البحث عن آليات لتسريع إنجاز المشاريع.
تلك التوجيهات السامية تدعو جميع الأطراف المعنية بالمشاريع لإجراء مراجعة شاملة لآلياتها الحالية، والتفكير بعيداً عن الأنماط التقليدية لتطوير تلك الآليات بحيث تقلص المدد الزمنية التي يستغرقها تنفيذ المشاريع ابتداء من تاريخ اعتماد مبلغ المشروع في الميزانية وانتهاء باليوم الذي يشرع في تقديم خدماته للجمهور، مروراً بمراحل طرح المنافسة، تقديم العروض، دراستها، الترسية، مراجعة العقد، إبرامه، تسليم الموقع، صرف المستخلصات، وغيرها من الخطوات. وهنا أرى دوراً لوزارة المالية لتكليف خبراء محايدين لتقويم الوضع الراهن وقياس كفاية الأداء لعلنا نضع أيدينا على مواطن الخلل. وإن شئنا أن نستبق تلك الدراسة في بعض من جزئياتها يمكن القول إن من بين العراقيل التي تفضي إلى تأخر إنجاز المشاريع مركزية الصلاحيات المالية والإدارية في كثير من الوزارات والمؤسسات العامة، غياب عنصر التخطيط، والاعتماد على أساليب تجاوزها الزمن في المراسلات وتبليغ القرارات ما يعرض المعاملات والمستندات للتأخير وربما الضياع.
بالطبع هناك عوامل أخرى كثيرة تؤدي إلى عرقلة المشاريع منها ما هو خارج سيطرة الجهة صاحبة المشروع كالأراضي التي أصبحت عقبة ليس أمام مشاريع القطاع الخاص من صناعة وغيرها فحسب بل إن مرافق الدولة باتت تعاني المشكلة ذاتها، إلى جانب ملف العمالة، وتوفر الخدمات. ذلك التشعب في العقبات التي تواجه تنفيذ المشاريع يتطلب وقفة من مجلس الشورى في دورته المقبلة لما يتمتع به من رؤية (بانورامية) لأداء أجهزة الحكومة عبر التقارير السنوية التي تحال إلى المجلس من خادم الحرمين الشريفين.

من المفرح في الميزانية الجديدة وما سبقها وفرة الاعتمادات ما أسقط الشماعة التقليدية التي كان يستخدمها البعض كأحد الأسباب في عرقلة تنفيذ المشاريع. وذلك يدعونا للإشادة بالجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة المالية في إعداد الميزانية على الرغم من ضخامتها وتعدد مصارفها, والتي تزداد عاماً بعد عام . غير أن مما يؤخذ على آلية إعداد الميزانية الأسلوب التقليدي في تبليغها للجهات الحكومية. إذ يستغرق ذلك التبليغ مدة قد تصل إلى أسبوعين بعد اعتماد الميزانية من مجلس الوزراء, وهو تأخير في تقديرنا لا نرى مبرراً له، بل يحسب ضمن المسار الزمني الذي يستغرقه تنفيذ أعمال ومشاريع الدولة المعتمدة. أما ما قد يُحتج به من أن "تعليمات الميزانية"، التي هي من وثائق تبليغها، تستغرق وقتاً لإعدادها، فليس بحجة, إذ يمكن إعدادها مسبقاً, ولا سيما أنها في مجملها تكرار لتعليمات سابقة استقر العمل بها منذ سنوات طويلة.
لقد تبنى وزير المالية كثيرا من المبادرات الإلكترونية كمشروع "سداد" و"يسّر" وغيرهما لرفع كفاية العمل في كثير من القطاعات, ما يجعلنا نتطلع إلى أن يتبنى في العام المقبل تبليغ اعتمادات الميزانية إلكترونياً لكل جهة حكومية في اليوم نفسه الذي تقر فيه من مجلس الوزراء. تلك الخطوة، إن تمت بإذن الله، ستضيف أسبوعين من الزمن على الأقل لكل جهة حكومية لعمل منتج يجني المواطن ثماره.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي