قذف بوش بالحذاء والقانون الدولي

(هذه قبلة الوداع يا كلب) تلك هي العبارة التي أطلقها الصحافي العراقي الشاب (منتظر الزيدي) وهو يرمي حذاءيه الواحد تلو الآخر باتجاه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أثناء المؤتمر الصحافي الذي عقده في بغداد مع رئيس وزراء العراق نوري المالكي يوم الأحد 16 ذي الحجة 1429هـ الموافق 14 كانون الأول (ديسمبر) 2008م.
وفي رواية للتلفزيون البريطاني قال الزيدي لبوش وهو يقذفه في المرة الثانية (وهذه من أجل الأرامل والأيتام وكافة الذين لقوا مصرعهم في العراق).
والمعروف أن الرئيس (بوش) الذي توشك ولايته على الانتهاء جاء إلى بغداد فجأة وسراً، كدأبه في زياراته السابقة لبغداد، من أجل توديع قواته المسلِّمة في العراق، وتوقيع (الاتفاقية الأمنية) مع نوري المالكي، والتي تنتقص في تقدير شرائح عديدة من المجتمع العراقي من السيادة الوطنية.
وإذا كان الرئيس الأمريكي تمكن من تفادي الحذاء في هاتين المرتين إلا أن هذا الحادث عكس - كما قالت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية - مشاعر الكراهية والمعاناة والكبت التي يشعر بها العراقيون حيال الغزو الأمريكي للعراق.
وأشارت الصحيفة أيضاً إلى أن إلقاء حذاء على أي شخص يعد أسوأ إهانة ممكنة وتعكس أخس درجات عدم الاحترام والازدراء والكراهية تجاه الشخص المستهدف.
وقد وصف الرئيس الأمريكي بوش هذا الحادث بأنه (الأكثر غرابة) خلال عهده الرئاسي بينما وصفه مسؤول في الحكومة العراقية بأنه (مثير للخجل)، وطالب قناة (البغدادية) التي يعمل الزيدي لديها بتقديم اعتذار. وتظاهر آلاف العراقيين للمطالبة بإطلاق سراح (الزيدي) الذي تعرض للضرب المبرح من قبل رجال الأمن، وطالبت الأمانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب بالمحافظة على حياة الصحافي العراقي وتأمين إطلاق سراحه وضمان محاكمته محاكمة عادلة. وحظي تصرف الصحافي بتأييد واسع في الشارع العربي وبرره وقرظه كثير من الكتاب والصحافيين العرب واستنكره بعضهم باعتباره عملاً لا يتفق مع قواعد المهنة الصحافية والآداب العامة.
ويدعوني التخصص العلمي والمهني إلى أن أدلي دلوي في هذا الشأن في ضوء قواعد القانون الدولي فأقول بإيجاز شديد إن رؤساء الدول يتمتعون بحصانات وامتيازات عديدة تحكمها قواعد معينة في القوانين الوطنية والقانون الدولي العام يضيق المجال هنا عن بيانها، ولذلك أركز الحديث حول جانب واحد من هذه الحصانات والامتيازات وهو الجانب المتعلق بحماية كرامة رئيس الدولة لأن الحادث موضوع المقال قد أصاب كرامة الرئيس الأمريكي وإن لم يصبه بأذى جسدي.
ومن نافلة القول، إن رئيس الدولة أياً كان لقبه هو رمز دولته وعنوان كرامتها وكرامته من كرامة دولته، ولذلك فإن حماية شخصه من أي قذف أو تجريح أو إهانة شخصية من جانب سلطات دولة أجنبية أو أفراد ينتمون إليها أو يقيمون فيها يمثل إحدى الحصانات الشخصية المهمة التي يتمتع بها رئيس الدولة في مواجهة الدول الأخرى.
ويشير الدكتور محمد عبد المطلب الخشن في كتابه القيم (الوضع القانوني لرئيس الدولة في القانون الدولي العام) إلى أن القواعد التي تنظم احترام كرامة رؤساء الدول قد ترجمت إلى مراسم وبروتوكولات أصبحت مستقرة في القانون الدولي المعاصر.
وقد ركزت الاتفاقيات الدولية العامة المتعلقة بممثلي الدول على حماية كرامتهم من أي اعتداءات. مثل اتفاقيتي فينا 1961، 1963 واللتين أوجبتا حماية المبعوثين الدبلوماسيين والقنصليين وحماية كرامتهم من أي اعتداءات.
وجاءت اتفاقية البعثات الخاصة 1969م (المادة 9) وأوجبت احترام كرامة رؤساء الدول، وكذلك المادة 2/3 من اتفاقية 1973م لمنع وقمع الجرائم الموجهة ضد أشخاص محميين دولياً أوجدت التزاماً دولياً على الدول باتخاذ الإجراءات اللازمة والملائمة لمنع الهجمات على كرامة الشخص المحمي دولياً.
وبجانب الالتزام الدولي الذي تفرضه المعاهدات على الدول، تلجأ الأخيرة إلى التشريعات الداخلية كوسيلة إضافية لكفالة حماية أكبر لكرامة رؤساء الدول الأجانب.
ومن ذلك التشريع الجنائي الهولندي الذي جعل من السلوك الهجومي تجاه رؤساء الدول الأجنبية جنحة متعمدة، وكذلك قانون حماية المسؤولين الرسميين في الولايات المتحدة عام 1972م. وينص قانون العقوبات المصري (م/181) على تجريم العيب في حق ملك أو رئيس دولة أجنبية أياً كانت ألقابهم ملوكاً أو أباطرة أو سلاطين أو رؤساء جمهوريات، وكذلك نصت المادة 197/2 من قانون العقوبات اليمني لعام 1994م على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بالغرامة التي لا تزيد على أربعة آلاف ريال كل من عاب علناً في حق ملك أو رئيس دولة أو ممثل لدولة أجنبية معتمدة في الجمهورية اليمنية بسبب أمور تتعلق بوظيفته).
ثم أشار الدكتور الخشن إلى أن الاعتداء على كرامة رئيس الدولة يمكن أن يتم في شكل سلوك يتضمن هجوماً في منشورات أو خطب تسيء إلى سمعة رئيس الدولة أو تشويه صورته بإشارات ورموز لأغراض تجارية. وقد يتم هذا الهجوم سواء كان موجوداً في إقليم الدولة الأجنبية أم لا. وقد تعرض الرئيس الأمريكي الأسبق (جونسون) أثناء زيارته للخارج إلى انتقادات ومظاهرات استطالت إلى شخصه بسبب تصرف الولايات المتحدة في فيتنام. وقد أدين شابان في أستراليا عام 1967 بسبب إلقاء عبوة طلاء على سيارة الرئيس (جونسون).
والدولة التي تنتهك كرامة رئيسها، يمكنها أن تشتكي صراحة لدى سلطات الدولة الأجنبية التي صدر الانتهاك من سلطاتها أو من أفراد ينتمون إليها أو يقيمون فيها.
والواقع أنه نادراً ما تنتهك السلطات المحلية كرامة رئيس دولة أجنبية وذلك حرصا عَلى العلاقات بين الدول.
وغالباً تسعى الدولة التي وقع الاعتداء على أرضها إلى الاعتذار إلى رئيس الدولة الذي تم توجيه الإساءة إليه. وقد حدث أثناء زيارة شاه إيران لألمانيا الغربية عام 1967م أن وجهت بعض الإساءات إلى شخصه ثم ما لبثت حكومة ألمانيا الغربية أن قدمت اعتذاراً له على ما حدث).
وبخصوص تناول الصحافة المحلية لرؤساء الدول الأجنبية، فقد أوضح الدكتور الخشن في كتابه المذكور أنه غالباً ما توازن الدول بين اتجاهين: يتضمن الأول حماية كرامة رؤساء الدول الأجنبية، والثاني خاص بحرية الرأي لدى الصحف والأفراد، فقد تصف صحيفة رئيس دولة ما بأنه ديكتاتور أو بأنه مرتكب لجرائم ضد شعبه وغير ذلك مما يعتبر تجريحاً لشخص رئيس دولة أجنبية.
ومع انتشار حرية الصحافة والتعبير والأفكار الديمقراطية بشكل عام ومع الرغبة في عدم إبعاد أشخاص رؤساء الدول عن النقد المشروع، توازن بعض الدول بين النقد المسموح به وبين السلوك الهجومي غير المبرر، والذي قد يثير إشكاليات في العلاقات بين الدول فتسمح بالأول دون الثاني. فمثلاً في عام 1986م سعى الرئيس (كولينا) رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى لمنع كتاب من الصدور في فرنسا اعتبره محقراً له ويمثل بالتالي هجوماً على دولته، وقد رفضت محكمة فرنسية الشكوى باعتبار أن الكتاب يعتبر نقداً سياسياً ضرورياً أكثر منه هجوماً على شخص الرئيس بصورة غير مبررة.
وقد تعتبر الدول أن هناك من الإجراءات القضائية الداخلية ما يمكن رؤساء الدول الأجنبية من مقاضاة من يتعدون على كرامتهم، والحصول على التعويضات اللازمة وخصوصاً في الحالات التي يكون فيها النقد أو الوصف غير مبرر سياسياً. وهذا الأمر يعتبر وسيلة إضافية إلى وسائل حماية كرامة رؤساء الدول الأجنبية.
تلكم باختصار شديد أبرز القواعد المستقرة في القانون الدولي العام بشأن حماية كرامة رؤساء الدول، ونشير في هذا الصدد إلى أن بعض التقارير الإعلامية نقلت تصريحاً منسوباً للمحامي العراقي (خليل الدليمي) الرئيس السابق لهيئة الدفاع عن الرئيس العراقي المعدوم صدام حسين أن نحو (200) محام عربي وأجنبي بينهم أمريكيون أبدوا استعدادهم للدفاع عن الزيدي ودون أية أتعاب، كما أشارت تلك التقارير إلى رأي بعض المحامين العراقيين حول الموقف القانوني لهذا الحادث بأنه طبقاً لأحكام القانون العراقي فإن (منتظر الزيدي) قد يواجه حكماً بالسجن لمدة لا تتجاوز في أقصاها سبع سنوات في حالة إدانته بتهمة إهانة رئيس دولة أجنبية زائر، ولكنه قد يحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً في حال إدانته بتهمة محاولة القتل.
والواقع أن الذي يستحق المحاكمة ليس الصحافي القاذف (الزيدي) وإنما الرئيس المقذوف (بوش) لأن الأخير قاد ضد العراق حرباً عدوانية بذرائع كاذبة خاطئة، وطبقاً لقواعد القانون الدولي تعتبر الحرب العدوانية جريمة ضد السلام، كما ارتكب الرئيس الأمريكي جرائم حرب عديدة أدت إلى إزهاق أرواح مئات الآلاف من العراقيين وتعذيب الأسرى تعذيباً بشعاً وتدمير الدولة العراقية وتفكيك وحدة المجتمع العراقي، وتدمير مرافقه ومنشآته الحيوية كما بدد ثروات العراق وأمواله وكنوزه الأثرية، وأفسح المجال لإيران لتمد نفوذها إلى العراق فعاثت فيه، ولا تزال، فساداً كبيراً، وأخرج العراق من ميزان القوى الإقليمي لصالح إيران وإسرائيل معاً.
والحديث عن تفاصيل مسؤولية الرئيس الأمريكي عن هذه الجرائم يخرج عن نطاق هذا المقال ولكن تكفي الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي المثقل بمسؤولية جنائية دولية عن جريمة حربه العدوانية وما صاحبها وتلاها من جرائم حرب ضد العراق لا يتمتع في مواجهة الشعب العراقي بأن حصانة فهو رئيس دولة غازية ومحتلة، ومقاومة الاحتلال الأجنبي بأي وسيلة من الوسائل المتاحة يعتبر حقاً مشروعاً للشعب الرازح تحت الاحتلال، ولذلك فإن الكاتب الصحافي المصري عبد المحسن سلامة لم يتجاوز الصواب عندما قال في نهاية مقاله المنشور في جريدة الأهرام بتاريخ 17/12/2008م (إن حذاء الصحافي العراقي ما هو إلا شكل من أشكال الكفاح المشروع ضد المحتل الغاصب، تؤيده جميع الأعراف والقوانين الدولية ما دام هناك وطن محتل ودولة احتلال وشعب باحث عن الحرية).
وفي الختام أقول إن الذين انتقدوا (منتظر الزيدي) على أساس أن تصرفه يتجافى مع آداب المهنة الصحافية والسلوك الحضاري، عليهم أن يتذكروا أن بوش كان وحشاً ضارياً لم يعبأ بالأخلاق والآداب والقوانين عندما غزا العراق واحتله ودمره، وأهان بذلك كرامة أمة تمتد من المحيط إلى الخليج فلا جرم أن تكون طريقة التعبير عن الغضب بقذف المغضوب عليه بالحذاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي