هذه الحفريات لا تستعجلوا ردمها
على رغم ما تطالعنا به الصحف بين آونة وأخرى من تقارير أو انتقادات تتناول سير العمل في مشروع الصرف الصحي في جدة، لا بد لأي مراقب منصف أن ينوه بالجهود التي تبذل في سباق مع الزمن لإكمال ذلك المشروع الذي يمكن القول إنه بدأ من الصفر تقريباً مستهدفاً تغطية كامل أرجاء المدينة خلال السنوات الأربع المقبلة، بإذن الله تعالى. ويومئذ عندما يتحقق ذلك الحلم من حق جدة وأهلها أن يحتفوا به بحسبانه إنجازاً استعصى عليهم لعقود طويلة من الزمن. ذلك أن حاجة المدينة لشبكة صرف صحي ليست وليدة الأمس، بل هي مطلب قديم منذ أن كانت قابعة داخل سورها بعدد متواضع من السكان ربما لا يتجاوز 20 ألفاً على مساحة من الأرض لا تزيد على كيلو متر مربع واحد.
هناك أسباب كثيرة جعلت قضية المجاري هاجساً لجدة، لعل من بين أبرزها الارتفاع الطبيعي في منسوب المياه الجوفية لقربها من البحر وما يشكله ذلك من قيد على قدرة التربة على الامتصاص مقارنة بالمناطق الصحراوية مثلا. ثم هناك العامل الاجتماعي، إذ عرفت جدة على مدى التاريخ بمستوى مرفه من المعيشة ما يعني معدلاً عالياً لاستهلاك الفرد الواحد من المياه على الرغم من شحها وقلة مصادرها. تلك الأسباب وغيرها فرضت "الدبل" أو "البيارة بالمصطلح الحديث" كجزء أساس لا يمكن الاستغناء عنه في كل مبنى ، وهو تقليد لم يزل قائماً منذ مئات السنين إلى يومنا هذا نتطلع بفارغ الصبر إلى زواله من بيئتنا تمهيداً لمحوه من ذاكرتنا.
ومن بين الشواهد على قدم معاناة مدينة جدة غياب شبكة لتصريف المجاري، تقرير عن الوضع الصحي فيها كتب قبل أكثر من 120 عاما وردت إشارة عنه ضمن دراسة نشرتها دارة الملك عبد العزيز في عام 1418هـ للكاتبة صابرة مؤمن إسماعيل تحت عنوان "جدة خلال الفترة 1286 ـ 1326هـ". إذ أشارت تلك الدراسة إلى تقرير أعده موفد للدولة العثمانية في عام 1308هـ جاء فيه "لا بد أن تبدأ الجهات المسؤولة في مدينة جدة بإنشاء مجار تشمل المدينة بمعظم أحيائها و خاصة الوكالات الكبيرة ، وتكون تلك المجاري منفتحة على البحر مباشرة مما يقلل من عفونة الجو ويساعد على النظافة"!
اليوم تقف جدة على عتبة مرحلة واعدة في تاريخها الحديث، إذ ستنعم عما قريب، بإذن الله، بحزمة من المشروعات العملاقة طال انتظارها كتوسعة المطار والميناء، تطوير وسط المدينة، زيادة قدرات محطات التحلية، خطوط حديدية للربط مع مدينتي الحرمين والمنطقة الشرقية مروراً بالوسطى، وغيرها. لكن مع أهمية كل تلك المشروعات تظل شبكة الصرف الصحي الهاجس الأول لساكني جدة على مختلف فئاتهم، ومن الطبيعي أن يولد ذلك الهاجس مخاوف وتطلعات ولا سيما أن الدولة رصدت لتنفيذ تلك الشبكة ومحطات المعالجة المرتبطة بها نحو سبعة مليارات ريال وهو مبلغ سخي بكل المقاييس.
من تلك المخاوف ما طرحته جريدة "الرياض" في حوار بتاريخ 27/4/1429هـ حول مستوى الجودة في تنفيذ المشروع، الهبوطات العميقة التي ظهرت في العديد من الشوارع التي حفرت من قبل الشركات المنفذة لمشروع الصرف الصحي ، حجم أنابيب التوصيلات الفرعية، وغيرها. أما التطلعات فيمكن تلخيصها في الأمل بألا يواجه المشروع عند اكتماله صعوبات فنية تدعو إلى إعادة حفر الشوارع مرة أخرى بحثا عن مصادر الخلل وما يترتب على ذلك من تأخير وحرمان المدينة من خدمة باتت في أمس الحاجة إليها. إذ إن أي تأخير، لا سمح الله، في إنجاز مشروع شبكة الصرف الصحي في جدة سيرتب تكاليف إضافية ليس على الدولة فحسب، بل أيضاً على المجتمع، كما أنه سيؤثر سلباً في برامج تطوير قطاع السياحة فيها وجذب استثمارات جديدة إليها.
تلك المخاوف وكذلك التطلعات لا بد أنها لم تغب عن نظر المسؤولين عن المشروع، وأحسب أنهم أعدوا العدة للتعامل معها. في ذلك السياق قد يرى أولئك المسؤولون ملاءمة التريث في ردم وتزفيت (سفلتة) حفريات الخطوط الرئيسة لشبكة المجاري الجاري تنفيذها إلى حين استكمالها واختبارها. إذ إن ذلك التريث يعد خياراً آمناً دون أي تكلفة إضافية للاطمئنان على سلامة خطوط الشبكة في كل محاورها ومفاصلها. بالطبع هذا الطرح يفترض أن تكون مواقع تلك الحفريات مهذبة، نظيفة، مضاءة، ومصانة، لا على الحال التي نراها عليها الآن.
هناك مزايا أخرى في ترحيل الردميات والتزفيت إلى المرحلة النهائية من المشروع بعد الفراغ من اختبارات الشبكة، إذ يمكن حينئذ تنفيذها في وقت متقارب تحت ظروف فنية متماثلة يسهل تقويمها ومراقبتها بدلا من توزيعها على دفعات في عدة سنوات قد يتغير خلالها كثير من المعطيات. ثم هناك منافع أخرى قد تجنيها جدة من التريث في عملية الردم إن رأت وزارة المياه والكهرباء بحكم إشرافها على هذين القطاعين جدوى اقتصادية وفنية في الإفادة من الحفريات العميقة لشبكة المجاري ببناء ممرات corridors في باطنها عند مناسيب مختلفة لتمديد الخدمات الأخرى بما في ذلك الهاتف ونقل المعلومات. ذلك الاستخدام المشترك لمسار شبكة المجاري، إن ثبتت جدواه، سيحقق لمدينة جدة نقلة يغبطها عليها الآخرون .