سلاح النفط الإسرائيلي ضد غزة وقانون حقوق الإنسان
منذ منتصف حزيران (يونيو) 2007 تفرض إسرائيل حصارا شاملا, برا وبحرا وجوا على قطاع غزة أدى إلى انخفاض إمدادات الغذاء والدواء والوقود انخفاضا كبيرا فتدهورت الأوضاع المعيشية والاقتصادية للسكان تدهورا خطيرا إلى درجة أن عديدا من المنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية حذرت من كارثة إنسانية توشك أن تقع, ودعت إلى إنهاء هذه المأساة التي يعيشها أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني في القطاع, وأسوق على ذلك الأمثلة التالية:
1 ـ النداء الذي وجهه جون جنيج مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في قطاع غزة قائلا: "إنني أناشد العالم الخارجي والمجتمع الدولي وإسرائيل والدول المجاورة في المنطقة أن يقدموا المساعدة لإنقاذ قطاع غزة من وقوع كارثة إنسانية ونحن في حاجة إلى عمل وإجراءات وليس إلى كلمات".
2 ـ الانتقاد الحاد الذي وجهه بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة ضد إسرائيل بسبب استمرارها في فرض الحصار على غزة وإعرابه عن أسفه لعدم استجابتها لندائه بالسماح بدخول المساعدات إلى سكان القطاع المحاصرين. ووفقا لما أعلنته ميشيل نيوتاس المتحدثة باسم الأمين العام, فإن بان كي مون يشعر بالقلق إزاء استمرار إسرائيل في إغلاق المعابر في الوقت الذي عبر فيه عن إدانته إطلاق الصواريخ الفلسطينية من القطاع على الأهداف المدنية الإسرائيلية, لكنه أكد أن ذلك لا يبرر أبدا تجويع المدنيين في غزة وعقابهم بالطريقة التي يشهدها القطاع في الوقت الراهن, وشدد الأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة قيام إسرائيل بشكل عاجل بالسماح بتوصيل المساعدات الإنسانية لسكان القطاع وحث جميع الأطراف على احترام الهدنة التي تم التوصل إليها برعاية مصرية.
3 ـ اعتبر ريتشارد فولك خبير الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية أن السياسة التي تنتهجها إسرائيل حيال سكان هذه المناطق توازي جريمة ضد الإنسانية. ودعا فولك الأمم المتحدة إلى تحرك عاجل لتطبيق المعيار المتفق عليه حول مسؤولية حماية السكان المدنيين الذين يتعرضون لعقاب جماعي من خلال سياسات توازي جريمة ضد الإنسانية. وأضاف قائلا: إن من واجب المحكمة الجنائية الدولية التحقيق حول الوضع وتحديد إذا ما كان يتعين توجيه التهمة إلى المسؤولين السياسيين المدنيين الإسرائيليين والقادة العسكريين المسؤولين عن حصار غزة وملاحقتهم بتهمة انتهاك القانون الجزائي الدولي. وقال فولك إن هذا الكم الكبير من الإدانات من قبل مسؤولي الأمم المتحدة الذي يتوخون الحذر عادة, لم يحصل على المستوى العالمي منذ مرحلة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وأضاف: رغم ذلك تستمر إسرائيل في فرض حصارها الخانق سامحة بمرور كميات لا تكاد تكفي من المواد الغذائية والمحروقات لتجنب المجاعة الجماعية وتفشي الأمراض.
والمتابع لإجراءات الحصار الإسرائيلي يجد أن إسرائيل تنتهج سياسة القطع والتخفيض, أي قطع الإمدادات مدة طويلة ثم السماح بدخول قدر ضئيل من السلع الضرورية إلى القطاع لمدة قصيرة جدا (يوم واحد وأحيانا ساعات محدودة), وذلك من أجل إيهام العالم بأنها تحرص على تجنيب السكان المجاعة الجماعية, ثم تعود إلى سياسة قطع الإمدادات, وهكذا دواليك.
ونود في هذا المقال أن نسلط الضوء على سلاح النفط الذي تستخدمه إسرائيل في إطار هذا الحصار الشامل الخانق ضد سكان قطاع غزة بهدف معاقبتهم عقابا جماعيا انتقاما من الصواريخ التي يطلقها المقاومون الفلسطينيون من القطاع.
أدى استخدام إسرائيل سلاح النفط إلى زيادة خطورة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني, ولتوضيح ذلك نسلط الضوء على مدى الأثر الضار لسلاح النفط في ثلاثة حقوق من حقوق الإنسان الأساسية, وهي:
أولا: الحق في الغذاء
تنص الفقرة 1 من المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 10/12/1948 على ما يلي: "لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته, خاصة على صعيد المأكل والملبس والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية, وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة, أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته التي تفقده أسباب عيشه".
كما نصت الفقرة الأولى من المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعتمدة بقرار الجمعية العامة بتاريخ 16/12/1966 على ما يلي: "تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته, يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى, وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق, معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر".
وحددت الفقرة الثانية من المادة المذكورة آنفا الإجراءات والتدابير الواجب اتخاذها في هذا الشأن.
لقد انتهكت إسرائيل حق الفلسطيني في الغذاء, حيث تسبب انخفاض الوقود الناجم عن الحصار الإسرائيلي في شل عمل المنظمات الدولية والخيرية التي تقدم الخدمات الإغاثية للفلسطينيين في القطاع, إذ لم يعد بالإمكان تشغيل وسائل حفظ الأغذية ووسائل النقل ما فاقم من الأثر الضار لتخفيض إمدادات المواد الغذائية الناجم عن الحصار الاقتصادي, زد على ذلك أن النقص الحاد في الوقود أدى إلى توقف عديد من آبار المياه عن العمل, حيث إن معدات استخراج المياه من معظم هذه الآبار لا تعمل إلا بالوقود, وذكرت منظمة "اليونيسيف" أن نقص الوقود أدى إلى أن 20 في المائة من سكان قطاع غزة يحصلون على المياه لمدة ست ساعات كل خمسة أيام و40 في المائة من الفلسطينيين يحصلون على المياه كل أربعة أيام والباقي يحصلون على المياه كل ثلاثة أيام, كما أن النقص الحاد في وقود الطهي أدى إلى إغلاق أكثر من 20 مخبزا لرغيف الخبز من إجمالي 47 مخبزا في مدينة غزة.
ثانيا: الحق في الصحة
أوضحت المادة 25/1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, السالف الإشارة إليها, الأسس القانونية الدولية للحق في الصحة, وأكدت المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حماية الحق في الصحة, حيث قررت أن يتمتع كل إنسان بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه واتخاذ تدابير معينة لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق.
وإذا كان النقص الحاد في إمدادات الأدوية والمستلزمات الطبية الناجمة عن الحصار الإسرائيلي قد أثر تأثيرا سلبيا شديدا في حق الإنسان الفلسطيني في الصحة, إلا أن نقص الوقود فاقم هذا التأثير الضار, حيث نجم عن وقف الوقود انقطاع التيار الكهربائي بسبب توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع عن العمل لرفض إسرائيل السماح بتزويدها بالوقود اللازم لتشغيلها, وأثر انقطاع التيار الكهربائي في الخدمات الطبية وحياة المرضى, خصوصا المرضى الذين يرقدون في أقسام العناية المكثفة وأقسام الأمراض الصدرية وأمراض الأطفال.
ثالثا: الحق في بيئة سليمة
إن الحق في بيئة طبيعية صحية وسليمة أصبح من عناصر حقوق الإنسان, وأكدته بعض المواثيق الدولية وصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عديد من القرارات بخصوص حق الإنسان في بيئة سليمة, منها القرار الصادر سنة 1994, الذي تقر فيه الجمعية العامة أن لكل فرد الحق في أن يعيش في بيئة تفي بمتطلبات صحته ورفاهيته.
وأدى قطع إسرائيل إمدادات الوقود إلى القطاع ونقصان مخزونه إلى التأثير في البيئة تأثيرا ضارا لتوقف البلديات في القطاع عن جمع النفايات لنفاد وقود السيارات, كما أن معظم محطات معالجة الصرف الصحي توقفت عن العمل, الأمر الذي زاد من تدهور الأوضاع الإنسانية بشكل كبير. يضاف إلى ذلك أن نفاد الوقود أرغم سائقي النقل العمومي على استخدام زيت الطبخ كوقود لمحركات مركباتهم, ما أوقع كارثة صحية وبيئية تشكل تهديدا حقيقيا على الصحة العامة للمواطن الفلسطيني.
إن الاعتداء الإسرائيلي على حق سكان قطاع غزة في الغذاء والصحة وصل في الواقع إلى درجة الاعتداء على الحق في الحياة, وهو حق مقدس أقرته وصانته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان, ولا جرم أن يصف ريتشارد فولك خبير الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان الإجراءات الإسرائيلية ضد سكان غزة بأنها توازي جريمة ضد الإنسانية.