رجل ملتزم.. إلا في الحج؟!

هو ليس قريباً فقط، بل صديق الجميع، الكل يشيد بصفاته، والجميع يتفق على حسن تدبيره وخلقه. صاحبنا من المخلصين في عملهم، المنضبطين في مواعيدهم، تغشاه حالة من الألم حين يراد منه أن يتوسط لشخص يراه أنه لا يستحق، لا يجامل، و لا يداهن، ملتزم بواجباته تجاه ربه، منضوي تحت الأعراف، ومطيع للتقاليد. لكن قبل أيام وجدته ساخطاً غاضباً، موجهاً ثورته على من أقروا شعار "لا حج دون تصريح"، مؤكداً أن من يمتثل لهذا الأمر فهو يعصي الله، أما كيف يعصي الله؟ فهو يفسره على النحو التالي: أن الحج لمن استطاع إليه سبيلاً، وغير محدد بزمن أو وقت أو حتى تصريح، وعليه فإنه سيحج ولا يعنيه التصريح. من جهتي، فلست في محل القدرة على الإفتاء، لكن يستثيرك من هذه أخلاقه وصفاته حين يسقط مثل هذا السقوط الشنيع، لأن ما نعرفه أن طاعة ولي الأمر واجبة، وطاعته فيما يخص الحج مبنية على منع الضرر والتزاحم، بل إعطاء الفرصة للآخرين ممن لم يؤدوا هذه الفريضة، وهي رسالة موجهة إلى أولئك الذين استمرؤوا الحج كل عام، ولا يعنيهم أن للمشاعر حدوداً وطاقات معينة، ولا يعنيهم أيضا التسهيل على مسلمين آخرين حضروا من أقصى بقاع الأرض، أو حتى على آخرين من أبناء هذا البلد، يقضون فريضتهم للمرة الأولى أو حسب النظام كل خمس سنوات. المشكلة أن بعضنا يكابر، ويستند في مكابرته على أمور دينية يفسرها من وجهة نظره فقط، فماذا لو كان هناك وباء لا سمح الله في أحد المشاعر؟ وخلال موسم الحج؟ فهل ستسمح الجهات الرسمية بالوجود في هذا المكان للحجاج؟.. الأكيد أن الإجابة .. لا، لأن المصلحة العامة أحق أن يؤخذ بها .. لا هوى الأشخاص ورغباتهم. المثير في الأمر أن بعضا من شبابنا وحتى "شيابنا" هداهم الله، يرون أن في كسر النظام ومخالفته ومن ثم الحج عملاً أخلاقياً كبيراً، ناهيك عما يشعرهم هذا من زهو وافتخار، وكأنهم مسلمون من الدرجة الأولى، والملتزمون بالنظام أقل مرتبة وإيماناً!.
قد يقول قائل: إن مثل تلك تصرفات فردية ولا تقاس على مجتمعنا الملتزم، وأصادق على كلامه هذا .. لكن حين يكون الأمر مجاهرة ورفضاً فأحسب أن هناك من لا يحب الخير للآخرين، فقط أنانيته هي ما تسيطر على فعله .. وحتى صديقنا ذلك الملتزم بكل ما تتطلبه الحياة والعلاقات الاجتماعية، قد سقط في فخ المكابرة التي لا تستند على حقيقة دينية مفيدة للعباد. لن أطيل في ذلك، فعلماء هذه البلاد وغيرها قد أفتوا بما هو في صالح البلاد والعباد.. لكن هناك منغصاً آخر أكثر ألماً، وهو ما ينبري عن توجه بعض أصحاب الناقلات إلى تجاوز النظام بحمل من لا يحملون تصاريح إلى الحج، والعمل على مخالفة النظام، وكأنهم أرادوا فوق مخالفة التوجه الديني الاجتماعي، التكسب على حساب النظام .. وحسبي أن التشهير بهؤلاء غير معاقبتهم، فيه كثير من الدروس لمن أراد عمل ما عملوه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي