مكة المكرمة .. الماضي والحاضر والمستقبل (3)

نشر الجزءان الأول والثاني من هذا المقال على مدار الأسبوعين الماضيين، وهما يركزان على واجبنا تجاه مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، من الناحية الدينية أولا كمسلمين ووطننا ثانيا كسعوديين، أن نقدم أقل ما يمكن وهو الرأي والمشورة, وأشرت في المقالين السابقين إلى أننا يجب أن نعمل لزيادة عدد الحجاج ليصل إلى 37 مليون حاج سنويا، وهو المعدل الطبيعي المتوافق مع عدد المسلمين في العالم.
عندما تفيض المشاعر المقدسة بالبشر من كل جنس وأقصد بها منى وعرفات ومزدلفة بعدد الحجاج الحالي الذي لا يتجاوز ثلاثة ملايين حاج، قد يأتي من يقول إنه ضرب من الجنون أن نفكر باستيعاب 37 مليون حاج في يوم من الأيام، ولكني أقول إنها عزيمة الرجال وجهد القادة وإنجاز الدولة، عندما يحدث ذلك سيكون الإنجاز الأكبر للدولة السعودية، فحتى سنوات قلائل كان عدد الحجاج لا يزيد على عشرات الآلاف، ففي سنة توحيد المملكة كان عدد الحجاج القادمين من خارج المملكة يقارب 20 ألف حاج، وقبل 60 عاما كان عددهم يقارب 100 ألف حاج، وعام 1379هـ (أي قبل 50 عاما) بلغ عدد الحجاج القادمين من خارج المملكة 250 ألف حاج تقريبا، في حين بلغ عدد حجاج الخارج العام الماضي 1.7 مليون حاج. أعتقد أن في قدرتنا مضاعفة العدد الحالي أضعافا مضاعفة خلال السنوات المقبلة، خاصة مع الأخذ في الحسبان النمو الكبير الذي حدث لموارد الدولة، والتطور التقني والهندسي والفني الهائل الذي حصل خلال السنوات الماضية، والأهم من ذلك الثورة التي ظهرت في مفاهيم الإدارة والإبداع في الوسائل والأدوات، وما إنجاز جسر الجمرات إلا جزء من هذه المنظومة.
لكن كيف سنستوعب 37 مليون حاج في المشاعر وهي لم تستوعب قط أكثر من ثلاثة ملايين حاج، لا أزعم أني أحمل عصا موسى أو لديّ سلطة على عفاريت سليمان ـ عليهما السلام ـ ولكني مؤمن بقدرة الإنسان على صنع المعجزات بالعزيمة والإصرار والتخطيط والنية الصادقة للإنجاز، وإلا كيف بنى الفراعنة الأهرامات قبل آلاف السنين؟ وكيف شق المصريون قناة السويس لتربط بين البحرين الأبيض والأحمر قبل ما يزيد على 150 عاماً، مع الأخذ في الحسبان أن إنجازنا في مكة المكرمة والمشاعر يختلف عن أي شيء آخر، حيث نستضيء بنور الله سبحانه، ونحتسب الأجر عند الله.
لبدء المشروع يجب بعد الاستعانة بالله وتوفر النية والعزم، القيام بالتخطيط الصحيح العلمي والعملي لهذا المشروع، ومن أهم النقاط التي يجب أخذها في الحسبان:
1. تأسيس هيئة متخصصة ومستقلة للمشروع.
2. وضع الخطط على مستوى البنية الأساسية، الخدمات المرافقة، والمواصلات.
3. دراسة التجارب المماثلة ولو كانت مغايرة من حيث الأصل، ولكنها تتشابه من حيث الطبيعة (المدن السياحية، والمنتجعات الترفيهية.. إلخ).
4. تأهيل وتدريب فريق العمل للتحلي بالعزيمة وطول النفس والإبداع ومواجهة الصعوبات والتغلب عليها.
5. وضع برنامج زمني للتنفيذ.
6. حشد الإمكانات اللازمة، من أهمها: استيعاب الخبرات من جميع أنحاء العالم.
7. تعيين المسؤول عن هذا المشروع "خير من استأجرت القوي الأمين".
من أهم الأفكار التي يمكن أن تشكل بداية لمثل هذا المشروع الجبار:
أ‌- الاستفادة من الارتفاعات، بحيث يكون الاستيعاب للحجاج أفقيا وعموديا.
ب‌- تفريغ المستوى الأرضي بشكل كامل، بحيث يستفاد منه للمشاة والطوارئ فقط.
ت‌- الاستفادة من باطن الأرض، بحيث تكون جميع الخدمات في أدوار تحت الأرضي.
ث‌- تهذيب الجبال أو إزالتها (ولست مع تغيير طبيعتها)، بحيث تتم الاستفادة القصوى من المساحة المتاحة.
ج‌- الاستفادة من المناطق المجاورة للمشاعر (العزيزية ـ محبس الجن ـ والعوالي .. إلخ).
ح‌- التيسير في الفتوى بخصوص الإقامة في منى، المبيت في مزدلفة، والمكث في عرفة إلى المغرب.
خ‌- التفويج المتزامن، بحيث يتم استيعاب العدد المناسب لكل المشاعر والوصول إلى الفعالية القصوى من حيث استيعاب الحجاج في أداء الشعائر.
د‌- إقامة شبكة متكاملة من القطارات للتنقل بين المشاعر وداخلها، والاقتصار على دخول المشاعر لسيارات الطوارئ فقط.
ذ‌- إلغاء مخيمات الضيافة الخاصة بالوزارات والمصالح الحكومية، التي تستنفذ مساحات المشاعر، وتختار أفضل المواقع، وهي أقلها فائدة للحج.
ر‌- التفويج المتناسب للحجاج بين المشاعر والحرم، بحيث يزيد الاستيعاب الذكي على مدار الساعة وتجنب الاختناقات.
ز‌- وضع خطط مثيلة لزيادة استيعاب الحرم لهذه الأعداد، خاصة الطواف والسعي، بأفكار مشابهة.
س‌- منع الافتراش والمبيت غير الصحي في منى، وأولى منه مبيت الحجاج خارج منى في أماكن نظيفة مكرمة لجنس الإنسان.

هناك سؤال عريض يطرح نفسه: ما علاقة موضوع الحج بالاقتصاد؟ ما الموارد الناتجة عن استقبال هذا العدد الضخم من الحجاج؟ لنحسب معا: كم من صناعة ستنشأ لخدمة هذا العدد؟ كم من عقار سيكفي لاستضافة هذه الأعداد؟ كم من مؤسسة خدمية ستؤسس لخدمتهم في مجال المواصلات والنقل والإعاشة؟ كم سيجني التجار من خلال مشتريات هؤلاء الحجاج؟ كم من أضحية وهدي سيتم إهراق دمها خلال موسم الحج؟ كم رحلة طيران سيتم تشغيلها؟ وعلى كم سيحصل المطوفون كأتعاب مقابل استضافتهم؟ كم من مواطن سيجد عملا من خلال هذه الشركات؟ وكم .. وكم .. وكم .. إنها قائمة طويلة من الإيرادات المتوقعة لموسم الحج، وبالإبداع والفكر يمكن مضاعفتها إلى غير المحدود.
اقتصادياً .. النتيجة مذهلة، فإذا كان من المتوقع أن نحصل على عوائد داخل المملكة قدرها 3.500 ريال عن كل حاج، فمعنى ذلك أن مقابل كل مليون حاج سنحصل على 3.5 مليار ريال، وبمعنى آخر: أننا سنحصل على 130 مليارا تقريبا مقابل الـ 37 مليون حاج، وإذا كانت تكلفة التأشيرة لكل حاج ستبلغ ألف ريال، فمعنى ذلك أن الدولة ستحصل على 37 مليارا سنويا مقابل التأشيرات فقط.
من الطبيعي أننا إذا استطعنا أن نستوعب هذا العدد خلال موسم الحج، فمعنى ذلك أن لدينا القدرة والكفاءة والعزيمة اللازمة لزيادة عدد الزوار والمعتمرين خلال باقي العام، وبالتالي نستطيع استضافة ثلاثة أضعافه كما هو حاصل حاليا، حيث إن عدد الحجاج يمثل ثلث عدد الزوار سنويا تقريبا، ومن ثم فالعوائد المالية ستكون مضاعفة.
أما إذا تمكنا من تحويل منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى محطة ترانزيت عالمية بين الشرق والغرب، فسيكون مطارا جدة والمدينة المنورة، من أكثر مطارات العالم حركة، فحركة المسلمين بين الشرق والغرب لا بد أن تمر بهما، حيث يحقق المسافر المسلم مزايا لا تتحقق في أي مكان آخر في العالم، حيث يمكنه العمرة أو زيارة المسجد النبوي، وبالتالي فإن العوائد المالية ستتضاعف مرة أخرى.
أخيرا.. فإني لا أجد أجدر بتنفيذ هذا المشروع من ملك تشرف بنسبة لقبه إلى خدمة الحرمين الشريفين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي