"سداد" .. خطوة متقدمة

طالعتنا الصحف المحلية خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري بإعلان صادر من وكالة وزارة المالية لشؤون الإيرادات عن نظام "سداد" الذي أنجزت تطويره مؤسسة النقد العربي السعودي بالتعاون مع وزارة المالية كشبكة إلكترونية متكاملة تربط جميع البنوك لتسديد المستحقات المترتبة للجهات الحكومية من قبل المواطن أو المقيم والمؤسسات والشركات. ذلك النظام بدئ في تشغيله منذ حوالي عامين على نطاق محدود نسبياً من حيث عدد الجهات المشاركة والأطراف المستفيدة ، بينما اليوم اتسعت تلك الشبكة لتشمل جميع مؤسسات الدولة من وزارات ومصالح حكومية تجبي رسوماً أو أجوراً لقاء ما تقدمه من خدمات للجمهور. فقد شملت القائمة مصلحة الجمارك التي تعتلي إيراداتها، ولاسيما من المنافذ البحرية، الدرجة الأولى في سلم الإيرادات غير النفطية، مصلحة الزكاة والدخل، أمانات المدن، هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، الهيئة العامة للسياحة والآثار، وغيرها فيما مجموعه عشرون جهة على أن تنضم إليهم لاحقاً وزارة العمل، الجوازات، والمرور.
من الملامح الجميلة لتلك الشبكة أنها ذات قنوات متعددة، إذ يمكن التعامل معها عبر أجهزة الصراف الآلي، خدمة الهاتف المصرفي، أو المواقع الإلكترونية للبنوك على الإنترنت، كما أنها لا تقتصر على بنك أو اثنين بل تشمل اثني عشر بنكاً أي أنها تمتد في جميع أرجاء المملكة عبر حوالي (1400) فرع لتلك البنوك. ذلك الانتشار للشبكة يعزز الهدف الرئيس لنظام "سداد" وهو تيسير دفع الفواتير والمستحقات المالية بأنواعها، سواء كانت لجهات حكومية أو لشركات كشركة الاتصالات السعودية والشركة السعودية للكهرباء. ومن أهداف النظام أيضاً تقليص حمل واستخدام النقد بين الجمهور.
بالإضافة إلى تلك المنافع التي سيحققها النظام للمجتمع، هناك منافع أخرى لا تقل عنها أهمية ستجنيها الخزينة العامة من انتشار استخدامه، من بينها القضاء تدريجياً على ما قد يكون هناك من فاقد في الإيرادات وتقليص الفترة الزمنية التي تستغرقها المبالغ المستحقة من لحظة تسديدها من قبل المستفيد من الخدمة حتى قيدها في حساب وزارة المالية، إذ قد تشكل تلك الفترة وقتاً ثميناً ضائعاً فيما لو كانت أداة الدفع من الأدوات التقليدية كالشيك أو النقد لأمناء الصناديق وما شابه. كما أن انتشار استخدام النظام سيساهم في ضبط سجلات الإيرادات ومطابقتها مع جميع الأطراف المعنية، ما يكشف بشكل فوري أي خلل قد يحصل في قيودات من هنا أو هناك، وبالتالي يسهل تداركه ومعالجته . تلك المزايا للنظام لاشك أنها تثري قدرات وزارة المالية في متابعة تحصيل الإيرادات غير النفطية التي يقدر معدلها في الأعوام الأخيرة بأكثر من (60) ألف مليون ريال سنويا وهو مبلغ لا يستهان به.
ثم هناك منافع أخرى لنظام "سداد" يمكن توظيفها في دراسة أي سياسات مالية جديدة أو مراجعة أخرى قائمة، إذ سيشكل النظام قاعدة معلومات دقيقة وغنية بالمؤشرات المفصلة عن الرسوم التي يدفعها المواطن أو المقيم. تلك المعلومات تحسم كثيراً من الجدل عند بحث فرض رسم جديد أو تعديل رسم قائم في مجلس الشورى، المجلس الاقتصادي الأعلى، أو الجهة التي تقدمت بالمقترح ابتداء. ذلك أن ملف الرسوم والأجور التي تتقاضاها المرافق العامة من أكثر الملفات إثارة للمشاعر ما قد يفضي إلى قرارات غير راشدة، ولاسيما إن غابت الحقائق. إن نظام "سداد" للمدفوعات مشروع وطني له منافع واعدة كثيرة أبرزها التيسير على الناس في معيشتهم، ضبط جانب مهم من الإيرادات العامة، وتعزيز الشفافية في التعاملات المالية بين الجمهور وبين الحكومة، ومن ثم نتطلع إلى مبادرة من وزارة المالية لرصد نسبة استخدامه بشكل دوري مقارنة بوسائل الدفع التقليدية، وإطلاق برامج توعية وتسويق لرفع تلك النسبة إلى معدلات مقبولة وفقاً لمقاييس الاقتصادات الناضجة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي