نظام المنافسات .. مَن يراقبه؟
قبل نحو أربعة أسابيع نشرت جريدة "الرياض" إعلاناً ربما لم يسترع انتباه الكثيرين على الرغم مما يمثله كنموذج جيد للشفافية في القطاع العام . فقد نشرت الجريدة في عددها الصادر في 20/10/2008م إعلاناً بنتائج المنافسات العامة والمشتريات الخاصة بالهيئة العامة للسياحة والآثار تضمن اسم المشروع، القيمة، اسم الشركة التي فازت بالمشروع، وبداية العقد، وذلك لـ (24) مشروعاً راوحت قيمتها بين 135 ألف ريال إلى نحو أربعة ملايين ريال. وربما كانت التكاليف المتواضعة نسبياً لتلك المشروعات غير كافية لجذب انتباه المراقبين وكتاب الرأي إلى القيمة الحقيقية لتلك الخطوة وأهمية المطالبة بتعميمها وإشاعتها ضمن ثقافة المجتمع.
تلك الخطوة من الهيئة جاءت في سياق متطلبات النظام الجديد للمنافسات والمشتريات الحكومية الذي من بين أهم أهدافه كما جاءت في المادة الأولى "تحقيق الشفافية في جميع مراحل إجراءات المنافسات والمشتريات الحكومية". وقد تبنى النظام آليات تضمن الالتزام بذلك المبدأ من بداية التنافس وهي مرحلة الإعلان إلى المرحلة الأخيرة وهي الترسية والتعاقد، إذ أن من المبادئ الأساس التي بُني عليها النظام "تعزيز النزاهة والمنافسة، وتوفير معاملة عادلة للمتعهدين والمقاولين ، تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص".
فالمادة السابعة من النظام، على سبيل المثال، ألزمت الجهات الحكومية بالإعلان عن جميع المنافسات في الجريدة الرسمية، وفي صحيفتين محليتين، وبالوسائل الإعلانية الإلكترونية. ويمكن القول أن الإعلان عن المنافسات إجراء تلتزم به الوزارات ومؤسسات القطاع العام بدقة منذ زمن طويل حتى في ظل النظام القديم للمشتروات الحكومية . وأذكر أن ديوان المراقبة العامة يحرص على التثبت من تلك الخطوة عند فحص مستندات العقود التي تبلغ إليه للمراجعة لدرجة قد تصل إلى عدم إجازة التعاقد والإصرار على إعادة طرح المنافسة التي لم تتقيد بمتطلبات شروط الإعلان من حيث عدد الصحف التي ينشر فيها والفترة الممنوحة للمتنافسين للدراسة وتقديم العروض.
ثم تأتي مرحلة تقديم عروض المنافسة وفحصها من قبل الجهة صاحبة المشروع ، وهنا أيضاً حفظ النظام الجديد للمنافسات والمشتريات الحكومية حق المجتمع في الاطلاع على نتيجة ذلك الفحص إذ ألزم في المادة الـ 16 الجهة صاحبة المنافسة بالإعلان عن النتيجة بعد اعتماد محضر لجنة فحص العروض من صاحب الصلاحية . غير أن تلك المرحلة ليست الخطوة الأخيرة في إجراءات المنافسة، كما قد يتراءى للبعض، إذ قد ينسحب صاحب العرض الأفضل بعد مرحلة الترسية لسبب أو آخر ، ومن ثم يتم التعاقد في العادة مع العرض الذي يليه . لذا ألزم النظام في مادته الـ 74 جميع الجهات الحكومية بالإعلان عن نتائج المنافسات العامة والمشتريات الحكومية بعد مرحلة التعاقد للأعمال التي تزيد قيمتها على 100 ألف ريال.
لكن المتابع لما ينشر من إعلانات في الصحف المحلية، عدا أم القرى، منذ أن أصبح نظام المنافسات والمشتريات الحكومية نافذاً في 20/2/1428هـ (10/3/2007م) أي قبل أكثر من 20 شهراً تقريباً يفتقد من بينها الإعلانات المنصوص عليها في النظام سوى اللهم إعلان الهيئة العامة للسياحة والآثار المشار إليه سابقاً وربما عدد آخر محدود . ولهذا فإن للمرء أن يتساءل عن أسباب ذلك الغياب ، وآلية الرقابة والمتابعة كي لا تُهدر محاسن النظام الجديد . وكنت قد كتبت مقالة في "الاقتصادية" في 4/6/1428هـ دعوت فيها وزارة المالية ومجلس الغرف التجارية الصناعية إلى وضع آلية مراقبة
monitoring mechanism تختلف عن رقابة ما بعد الصرف التي يضطلع بها ديوان المراقبة العامة لرصد مدى التزام الجهات الحكومية بنص وروح النظام الجديد ونشر تقرير سنوي عن نتائج ذلك الرصد.
إن تلك الآلية للمراقبة أو ما يطلق عليها أحياناً في الأدبيات الغربية Watch – dog ، سواء تبنتها الوزارة والمجلس مجتمعين أو طرف واحد منهما فقط، ستحقق مكاسب كبيرة للمملكة في ترسيخ ممارسات الشفافية وسعيها في الحصول على مركز متقدم بين الدول في التصنيفات العالمية.