بدأت ارتدادات الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في إيران تضرب قطاعات الاقتصاد الياباني، حيث تجاوزت تداعيات ارتفاع تكاليف الوقود والشحن لتلقي بظلالها على السياحة، وأمن الغذاء، والاستهلاك اليومي.
ورغم امتلاك اليابان إحدى أضخم احتياطيات النفط في القارة الآسيوية، إلا أنها تعتمد على الواردات بشكل يجعلها عرضة للتقلبات الخارجية.
وفقا لصحيفة "نيكاي آسيا" اليابانية، تسببت القفزة الأخيرة في أسعار الطاقة بضغوط هائلة على قطاعات متنوعة، بدءاً من مزارع الدواجن وصولاً إلى المنتجعات الصحية، وسط دعوات حكومية لترشيد استهلاك الكهرباء قبل عطلات أواخر أبريل.
تتجلى هذه الأزمة بوضوح في محافظة آوموري شمال البلاد، حيث أعلن منتجع "كاتسوراجي أونسن" الصحي العريق إغلاق أبوابه نهائياً بنهاية مايو بعد نصف قرن من الخدمة، وعزا ذلك إلى ارتفاع تكاليف الوقود.
تعد آوموري أعلى محافظة تنتشر فيها حمامات المنتجعات الصحية العامة، أو ما يعرف بـ "سينتو"، نسبة إلى السكان، لكن هذه المنشآت تواجه مصيراً قاتماً.
ويشير صاحب "كاتسوراجي" إلى أن أسعار النفط المستخدم للتدفئة قفزت 13% في مارس لتصل لـ 135 ين للتر، أي ما يعادل 0.8 دولار، مؤكداً أن هذه الزيادة "بسيطة" في ظاهرها لكنها مدمرة لمرفق يستهلك 7 آلاف لتر في الشتاء.
علاوة على ذلك، يواجه قطاع النقل ضغوطه. فقد قررت شركة "نانكاي" للسكك الحديدية الانسحاب من قطاع العبارات بين واكاياما وجزيرة شيكوكو بحلول 2028، مبررة ذلك بضعف الطلب وارتفاع أسعار الوقود لمستويات غير مسبوقة جراء الحرب.
ويحذر محللون من أن الصدمة قد تؤجج التضخم الناتج عن ارتفاع التكاليف وتؤثر سلبًا في الطلب المحلي.
وقال تاكاهيدي كيوتشي من معهد "نومورا" للأبحاث إن الدول الآسيوية، بما فيها اليابان، التي تعتمد على النفط الخام من الشرق الأوسط، تواجه "خطرًا اقتصاديًا وجوديا".
وأضاف: "في حال تفاقمت هذه المخاطر، فمن المرجح أن تدعو الحكومة الأسر والشركات إلى ترشيد استهلاك البنزين والكهرباء، كما فعلت خلال أزمات النفط في سبعينات القرن الماضي".
كما أظهر مسح "تانكان" الصادر عن بنك اليابان تشاؤم الشركات، ولا سيما في قطاعي النقل والبريد مع تزايد المخاوف من تأثير اضطرابات خدمات النقل على الأرباح.
قال تسويوشي أوينو، الباحث التنفيذي في معهد "نيبون لايف" للأبحاث: "يتضح الحذر المتزايد في قطاعات واسعة"، مشيرًا إلى ارتفاع التكاليف، وتحديات التوريد، والنقص الهيكلي في العمالة.
وفي أعقاب الارتفاع الأخير في أسعار النفط الخام، رفعت "الخطوط الجوية اليابانية" وخطوط "أول نيبون الجوية" الرسوم الإضافية على الرحلات الدولية المغادرة من اليابان، حيث شهدت بعض الرحلات الطويلة زيادات تصل إلى عدة آلاف من الين لكل تذكرة.
وتدرس الشركتان أيضًا فرض رسوم إضافية على الوقود على الرحلات الداخلية.
تمتد الصدمة لتهز السلع الاستهلاكية، فالارتباط بسلاسل توريد البتروكيماويات سيرفع أسعار البلاستيك، والمنظفات، والمستلزمات الطبية. ويقدر كيوتشي من معهد "نومورا" أن هذا سيرفع تكاليف أسرة من 4 أفراد ما يصل إلى 160 دولارا إضافية سنوياً.
وقد بدأت الصدمة تتغلغل في قطاعات متخصصة، إذ قلصت شركة "جي إس آي كريوس" إنتاج دهانات النماذج البلاستيكية بسبب نقص المواد الخام.
في الجانب الإستراتيجي، وجهت الحكومة إعطاء الأولوية في توريد المشتقات النفطية لتصنيع المعدات الطبية مثل الحقن والقفازات.
أما الغذاء، فيتوقع أن يواجه موجة غلاء قادمة في اليابان بدءاً من الخريف القادم. ومع أن اللحوم والبيض لا تعتمد مباشرة على النفط، إلا أن ارتفاع أسعار الشحن سيزيد تكلفة الأعلاف المستوردة، التي تشكل 70% تقريبا من تكلفة الإنتاج.



