يشكل مقاولو الباطن أحد الأعمدة الرئيسية لقطاع المقاولات السعودي، إذ يقدر مختصون تحدثوا لـ "الاقتصادية" أن الأعمال التي ينفذونها تمثل نحو 60 إلى 75% من أعمال الإنشاءات، في ظل اتساع المشاريع وتزايد الحاجة إلى التخصصات الدقيقة.
وبينما أسهم هذا النموذج في رفع كفاءة التنفيذ وتسريع الإنجاز، تظل المستحقات المالية المتأخرة، وضعف التأهيل، وغموض العقود، أبرز التحديات التي تهدد استدامة المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتغذي النزاعات مع المقاولين الرئيسيين.
التخصص يرفع الجودة ويخفض التكلفة
قال المهندس ثابت آل سويد، الأمين العام السابق للهيئة السعودية للمقاولين، إن وجود مقاول الباطن يمثل مؤشراً على نضج القطاع وليس خللاً فيه، موضحاً أن المشكلة تكمن في آليات التأهيل والاختيار وتنظيم العلاقة التعاقدية وانتظام صرف المستحقات.
وأوضح أن إسناد كل جزء من المشروع إلى مقاول متخصص يتيح الاستفادة من خبرات دقيقة في مجالات محددة، بدلا من تحميل مقاول واحد نطاقا واسعا من الأعمال، بما يرفع جودة المخرجات ويحسن كفاءة التكلفة.
ويرى المهندس عادل مشاط أن الاعتماد على مقاولي الباطن ممارسة صحية وضرورية، خصوصاً في المشاريع الكبرى التي تتطلب تخصصات في الكهرباء والتكييف والسباكة والتشطيبات وغيرها، شريطة وجود إدارة مركزية قوية لدى المقاول العام تتولى التنسيق والرقابة وضمان الجودة.
8 % من الناتج .. لكن القياس ضعيف
أشار آل سويد إلى أن أنشطة التشييد والبناء أسهمت بنحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025، وفق الهيئة العامة للإحصاء، إلا أن أدوات قياس القطاع، بحسب تقديره، لا تزال أقل من حجمه الاقتصادي.
في الربع الرابع من 2025، تصدر قطاع التشييد إصدار السجلات التجارية بـ 66 ألف سجل، تمثل 53% من إجمالي السجلات في السعودية، بينما لم تنمُ الإيرادات التشغيلية لنشاط التشييد سوى 2.5% على أساس سنوي.
وعلق آل سويد بأن هذه المؤشرات قد تعكس «حركة تسجيل لا نمواً في الطاقة التنفيذية»، مؤكداً أن السجل التجاري لا يعني بالضرورة وجود مقاول، والمقاول لا يعني بالضرورة أنه مؤهل.
السيولة.. الحلقة الأضعف
تتصدر المستحقات المالية قائمة التحديات التي تواجه مقاولي الباطن، إذ يرتبط استمرار أعمالهم مباشرة بقدرتهم على دفع أجور العمال وشراء المواد والوفاء بالتزاماتهم تجاه الموردين.
وقال آل سويد إن تعثر التدفقات النقدية ينعكس على قدرة المنشآت على الاحتفاظ بالعمالة الماهرة وانتظام التنفيذ، مؤكداً: «لا توجد جودة بلا سيولة».
وتكمن إحدى المشكلات في أن التزام الجهة المالكة بالسداد قد يتوقف عند المقاول الرئيسي، ولا يصل بالضرورة إلى المقاول من الباطن الذي أنجز أعماله. ووصف آل سويد انتقال المستحقات عبر سلسلة التعاقد بأنه «الحلقة المفقودة».
اقترح تعزيز قياس المدة التي تستغرقها المستحقات للوصول إلى مقاولي الباطن، وتفعيل عقود نموذجية تتضمن مدد سداد ملزمة، وربط تأهيل المقاول الرئيسي للمشاريع اللاحقة بمدى انتظامه في سداد مستحقات المقاولين العاملين تحته.
نزاعات تبدأ بالمال وتنتهي عند العقد
قال المحامي عمر العمودي: إن جانبا كبيرا من النزاعات بين المقاولين الرئيسيين ومقاولي الباطن يدور حول المستحقات المالية، إلا أن المطالبة المالية عادة ما تكون نتيجة لخلاف تعاقدي أو فني سابق.
وحدد 3 محاور رئيسية للنزاعات: المستحقات المالية، ونطاق العمل، والمدة الزمنية للتنفيذ. وتشمل الخلافات المستخلصات والمحتجزات والأعمال الإضافية وفروقات الكميات والخصومات وغرامات التأخير وفسخ العقود وسحب الأعمال.
وأوضح أن النزاع قد يبدأ بسبب خلاف على ما إذا كان عمل معين ضمن العقد الأصلي أو يمثل أمرا تغييريا يستحق مقابلا إضافيا، أو بسبب تحميل مقاول الباطن مسؤولية تأخير يعزوه بدوره إلى تأخر المخططات أو تسليم الموقع أو تعديلات المشروع.
العقود الضعيفة.. وقود النزاعات
يرى المحامي ماجد قاروب أن ضعف صياغة العقود أحد أبرز مسببات النزاعات، خصوصاً عندما تغيب الاستشارة القانونية عن مرحلة إعداد العقد وتتولى صياغته إدارات هندسية أو مالية دون مشاركة متخصصة.
وأوضح أن تعدد عقود الباطن أمر طبيعي في المشاريع، وقد ينتج عن عقد المقاولة الرئيسي 3 إلى 5 عقود من الباطن أو أكثر، بحسب حجم المشروع وتنوع تخصصاته.
وتتفاقم المخاطر عندما لا تتطابق عقود الباطن مع العقد الرئيسي في مدد التنفيذ والتسليم، أو عندما يتم التعاقد مع مقاولين لا تتناسب قدراتهم مع حجم الأعمال المسندة إليهم.
كما حذر قاروب من التوسع غير المبرر في شروط التحكيم، مشيراً إلى ضرورة مراعاة قيمة النزاع وتكاليف التحكيم واقتصاديات المطالبة.
الجودة لا ترتبط بالباطن وحده
يرفض المختصون تحميل مقاولي الباطن وحدهم مسؤولية عيوب المشاريع. ويؤكد آل سويد أن ظهور عيوب في مشروع نفذه مقاول باطن غير مؤهل يكشف خللاً في الاختيار والتأهيل والإشراف، وليس في نموذج المقاولة من الباطن نفسه.
ويرى قاروب أن تطبيق كود البناء السعودي أسهم في رفع مستوى جودة أعمال المقاولات، فيما يؤكد عبدالمنعم الشنقيطي، نائب رئيس لجنة المقاولين بغرفة مكة سابقاً، أن جودة التنفيذ ترتبط بخبرة المقاول وكفاءة العاملين والتدريب ونوعية المشاريع السابقة.
ويضيف الشنقيطي أن المسؤولية عن جودة المشروع منظومة متكاملة تشمل التصميم والمواصفات والاستشاري والإشراف والاستلام، وليس مقاول الباطن وحده.
الباطن بوابة للنمو
يشكل العمل كمقاول باطن في كثير من الحالات مرحلة أولى لدخول السوق والنمو. ويوضح الشنقيطي أن شركات مقاولات معروفة بدأت بأعمال محدودة كمقاولين من الباطن قبل أن تطور قدراتها وتتوسع في المشاريع.
لكن هذه المنشآت تواجه تحديات التمويل والتدريب وتأخر المستحقات، إلى جانب ارتفاع تكلفة العمالة الماهرة والمواد والمعدات، وما يرتبط بالتوطين والمتطلبات الإدارية والضريبية والفوترة الإلكترونية.
ويحذر مشاط من أن تأخر السداد قد يهدد استمرارية المقاول الصغير، حتى عندما يكون قد أنجز أعماله كاملة وفق الجودة المطلوبة، بسبب نزاع لا يكون طرفاً فيه بين المقاول الرئيسي والمالك.
الدفع المباشر للملتزم
يقترح مشاط إيجاد آلية تتيح لمقاول الباطن الذي أثبت التزامه الكامل بتنفيذ أعماله استلام مستحقاته مباشرة من الجهة المالكة، بدلا من تعليقها بسبب نزاع بين أطراف أخرى.
كما دعا إلى تعزيز الرقابة وتطوير العقود وإدراج ضمانات مالية وقانونية واضحة، وتحديد آليات فض النزاعات، بما يقلل حالات توقف العمل ويحمي التدفقات النقدية للمنشآت الصغيرة.
تطوير عقود القطاع
كشفت الهيئة السعودية للمقاولين لـ«الاقتصادية» عن أنها تعمل على تطوير عقد المقاولات من الباطن ضمن سلسلة العقود النموذجية، بهدف تنظيم العلاقة بين الأطراف وتحديد الأدوار وحجم الأعمال المسندة وحفظ الحقوق والحد من النزاعات.
كما أطلقت الهيئة خدمة «وفاق» لتسوية النزاعات ودياً، باعتبارها خطوة أولية قبل اللجوء إلى القضاء، إلا أنها أوضحت أن الإطلاق التجريبي للمنصة يعني عدم توافر حصر حتى الآن لحجم النزاعات والشكاوى المرصودة عبرها.
وبحسب الهيئة، تجاوز عدد المقاولين السعوديين المسجلين لديها 82.8 ألف مقاول، فيما يتجاوز عدد المقاولين غير السعوديين 1.6 ألف.
من البقاء إلى النمو
تؤكد المعطيات أن مقاولي الباطن ليسوا الحلقة الأضعف في قطاع المقاولات بقدر ما هم حلقة أساسية في قدرته على تنفيذ المشاريع الكبرى. لكن استمرار هذا الدور يتطلب إصلاحاً في منظومة التأهيل والعقود والسداد والرقابة.
فكلما كان المقاول المتخصص مؤهلاً، والعقد واضحاً، والمستخلصات منتظمة، والإشراف فعالاً، تحولت المقاولة من الباطن إلى أداة لرفع الإنتاجية وبناء شركات محلية قادرة على النمو.
وكما يلخص آل سويد: «إن أعظم استثمار نقدمه للقطاع اليوم أن نجعل المنشأة الصغيرة قادرة على النمو وليس البقاء فقط».





