قبل نحو عام، كانت النظرة السائدة بين المزارعين لمخلفات النخل هي أنها نفايات تُحرق بعد التقليم الدوري، لكن مشروعا عُرض ضمن فعاليات بينالي الفنون الإسلامية 2025 في مدينة جدة السعودية غير هذه النظرة وحول وجهتها إلى مسار قد يجعل من هذه المخلفات اقتصادا واعدا وسوقا ضخمة.
كان مشروع "عن النسيج"، الفائز بالدورة الأولى من "جائزة المُصلّى" ضمن البينالي، مصمما بالكامل من سعف النخل المحليّ، بعد معالجته وضغطه إلى ألواح ثم تجميعه ليشكّل هيكلا إنشائيا نُسجت حباله وسجّاده يدويًا من السعف ذاته.
طرح المشروع المبتكر عدة أسئلة مهمة: هل يمكن فعلا بناء منزل قابل للعيش في العصر الحديث من تلك المخلفات؟ وما الخصائص التي تميز سعف النخل عن غيره؟ وكيف يمكن الاستفادة من 800 ألف طن من مخلفات النخل تُنتج سنويا في السعودية؟
جدوى اقتصادية لا تخلو من التحديات
سعف النخل مادة "متينة جدًا وصلبة" وتتحلل ببطء، ما يجعلها تتراكم في المزارع ويُتخلص منها غالبًا بالحرق. ورغم حساسيتها للرطوبة، فإن هذا التحدي يمكن معالجته عبر التصميم الجيد، بحسب كريستوفر بلاست، المدير الإداري لشركة "Akt II" الهندسية المنفذة للمشروع.
بلاست أوضح لـ"الاقتصادية" أن تكلفة ألواح سعف النخل أقل بنحو 65% من الخشب الرقائقي، وإن كان الخشب أقوى بنسبة 15% وأكثر صلابة بنحو 10%.
يعني هذا أن الفارق في الأداء محدود مقابل السعر، وهو ما يفتح المجال أمام خيار اقتصادي منافس في بعض الاستخدامات.
التحدي الأكبر من وجهة نظر بلاست ليس في المادة نفسها، بل في التعامل مع سعف النخل بوصفه "نفايات".
أما العائق الآخر أمام دخول هذه المواد إلى قطاع البناء، فيتمثل في المخاطر لدى العملاء وشركات التأمين، حيث إن المواد غير التقليدية غالبا ما تكون غير قابلة للتأمين، ما يحد من استخدامها.
800 ألف طن سنويا في السعودية
إجمالي مخلفات سعف النخل في السعودية يُقدَّر بأكثر من 800 ألف طن سنويا، ناتجة عن التقليم الدوري لما يقارب 32 مليون نخلة، بمتوسط 25-35 كيلوجراما للنخلة الواحدة سنويًا، بحسب الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير (سرك).
تشير الشركة إلى أن 60–70% من هذه الكميات قابلة للاستغلال في صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة.
عبدالله السباعي، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لإدارة النفايات (موان)، قال بدوره: إن المخلفات الزراعية عموما تشكل نحو 37% من إجمالي النفايات المنتجة، بما يعادل أكثر من 40 مليون طن سنويا.
جزء كبير من هذه المخلفات يُخلط مع نفايات عضوية أخرى لإنتاج محسنات تربة وأسمدة، بحسب السباعي.
ويرى رئيس "موان" أن الحل لا يكمن في ما يصفه بـ"الاستفادة "الانتقائية" من نوع واحد مثل سعف النخل وترك البقية، بل في التحول إلى الاستفادة الكلية التي تمنع الهدر وتقلل وصول المخلفات إلى المرادم. فالتركيز على المخلفات ذات العائد الأعلى مثل السعف فقط سيعني ترك بقية المخلفات دون حل، لتعود في النهاية إلى المرادم.
وبحسب السباعي، فإن الاستفادة الكلية تقوم على خلط المخلفات الزراعية مع مخلفات التشجير، وخلطها أيضًا مع مخلفات معالجة الصرف الصحي المعروفة بـ"الحمأة"، إضافة إلى المخلفات العضوية المنزلية، لإنتاج محسنات تربة وأسمدة.
تستخدم بعض مخلفات النخل، مثل التمر اليابس والحشف والنفل والشيص وكبسة معاصر الدبس ونوى التمر، كأعلاف للحيوانات بعد طحنها، بحسب منصة "سعوديبيديا". كما أن الجذور الطرية للنخلة والخوص المطحون يستخدمان أيضًا علفًا للحيوانات التي تؤدي أعمالًا شاقة.

سعف النخل حاضر في الاقتصاد الحرفي
سعف النخل حاضر في جانب آخر من الاقتصاد، وهو الاقتصاد الحرفي، الذي يعيد تدوير السعف والخوص منذ مئات السنين، لكن بوسائل يدوية تعتمد على المهارة والخبرة.
فايزة منصوري، وهي معلمة اقتصاد منزلي وتربية فنية متقاعدة من مواليد مدينة العلا، قالت لـ"الاقتصادية" إنها عادت بعد التقاعد لإحياء شغفها بأعمال الخوص إلى "مدرسة الديرة" في العلا، حيث كانت طالبة ثم أصبحت معلمة، قبل أن تعمل فيها لاحقًا كمدربة وخبيرة.
توفير الخوص يتم عبر المزارع الموجودة في العلا. وبحسب منصوري، فإن الخوص الأبيض تحديدا يُعد أغلى ثمنا وأصعب توفرا، لأن استخراجه يكون من قلب النخلة، ما يجعل بعض أصحاب المزارع يترددون في أخذ كميات كبيرة منه خوفًا من إضعاف النخلة.
تقول منصوري إن الطلب لا يقتصر على شراء المنتجات فقط، بل يشمل تعلم الحرفة أيضًا. فمنتجات الخوص لم تعد قاصرة على الأدوات التراثية التقليدية، مثل "المهاف" و"المكاتل" و"الحصير"، حيث بدأ الحرفيون تطوير منتجات أكثر حداثة مثل الشنط والقبعات والإكسسوارات والفواصل والميداليات.
منافسة قوية في الصناعة الحرفية
علي الفرحان، وهو حرفي يعمل في الأحساء، توارثت عائلته هذه الحرفة منذ زمن، وعاد لممارستها بعد التقاعد.
يتوفر السعف بكثرة في المنطقة، ويقدر سعر ربطة السعف الواحدة بين 50-100 ريال، بينما يراوح وزنها بين 10-15 كيلوجرام تقريبا. وسعر السعف المصبوغ هو الأغلى.
بحسب الفرحان، فإن السوق لا تزال "حيّة" والطلب موجود، ليس فقط محليًا بل أيضًا عالميًا"، وتتميز المنتجات السعودية بجودتها العالية.
لكنه قال لـ"الاقتصادية" إن المنافسة كذلك ما زالت قوية، خصوصًا من المنتجات الصينية والباكستانية الأرخص ثمنا، رغم أن المنتج السعودي يتفوق في الجودة.

تزيد المبيعات خلال المعارض والمهرجانات أكثر من المحلات،. ويعتبر الفرحان السوق المحلية في الأحساء "متشبعة" بالمنتجات، بينما يزداد الطلب خارج المنطقة وخارج المملكة، خصوصًا خلال المشاركات الخارجية، مثل المعارض الدولية والفعاليات الوطنية في الخارج ،بحسب الفرحان.
وفي حين تثبت الحرف اليدوية أن سعف النخل قابل للتحويل إلى منتجات ذات قيمة، تشير "سرك" إلى أن سعف النخل يمكن استخدامه في إنتاج ألواح خشبية صناعية للأثاث والبناء والتجهيزات الداخلية، ومواد عزل حراري وصوتي، ومنتجات ديكور، إضافة إلى السماد العضوي والفحم الحيوي.
وتوضح الشركة أن مناطق الرياض والقصيم والمنطقة الشرقية تستحوذ على أكثر من 60% من إجمالي مخلفات النخل في المملكة، بسبب ارتفاع كثافة المزارع فيها.
خيار اقتصادي مبتكر للحصول على الطاقة
الدراسة، المنشورة تحت عنوان "تحسين العملية والتقييم الاقتصادي لتغويز سعف النخل السعودي بالهواء لإنتاج غاز اصطناعي غني بالهيدروجين"، تصف عملية التغويز بأنها من أكثر التقنيات كفاءة ونجاحًا لتحويل الكتلة الحيوية حراريًا إلى وقود غازي أنظف من البترول السائل.
تقدر الدراسة تكلفة الغاز الاصطناعي المنتج من تغويز سعف النخل بالهواء بنحو 4.04 ريال لكل كيلوجرام، مع إمكانية خفض التكلفة بهدف توسيع نطاق النظام.
كما أن سعف النخل يمثل مصدرا رئيسيا للكتلة الحيوية في السعودية، ويمكن أن يسهم في زيادة حصة الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
سعف النخل يحد من تبخر المياه
تشير دراسة أخرى بعنوان "فعالية استخدام سعف النخل في الحد من تبخر المياه" إلى أن السيطرة على التبخر المرتفع من الخزانات المفتوحة تُعد من أبرز التحديات في تخطيط وإدارة موارد المياه، خصوصًا في الدول الجافة مثل السعودية.
وبحسب الدراسة، فقد تم إنشاء ثلاثة أحواض في موقع مختار بجامعة الملك سعود بالرياض لاختبار فعالية السعف كغطاء للخزانات، وأظهرت البيانات أن نسبة انخفاض التبخر في الحوض المغطى بالكامل بالسعف بلغت نحو 55%، بينما بلغت نحو 26% في الحوض المغطى جزئيًا.
اقتصاد النخل يتجاوز الهندسة والتقنية
يرى بلاست أن الاهتمام بسعف النخل كمجال اقتصادي بدأ يتجاوز الجانب الفني والهندسي. وقال لـ"الاقتصادية" إن عددا من الأشخاص تواصلوا معه وأبلغوه بأن هذا المجال يُعد فرصة استثمارية جيدة".
يتوقع المدير الإداري لشركة "Akt II" أن استثمار السعودية في إنتاج ألواح ألياف النخل محليًا يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية واضحة، ويعزز ريادة الأعمال الوطنية، ويوفر فرص عمل محلية، ويقلل الاعتماد على استيراد منتجات الأخشاب من الخارج، مع الاستفادة من مادة محلية متوفرة بتكلفة أقل بكثير مقارنة بالأخشاب المستوردة.
ويشير إلى أن مخلفات النخل المتاحة يمكن تحويلها إلى ما يقارب 11 مليون متر مكعب من ألواح سعف النخل سنويًا.
يربط بلاست ذلك بحجم سوق الأخشاب المستوردة في السعودية، التي تُقدّر قيمتها بنحو 3.2 مليارات جنيه إسترليني.
ويقول إن مخلفات سعف النخل تمتلك القدرة على تعويض ما يصل إلى 0.8 مليار جنيه إسترليني (حوالي 5 مليارات ريال سعودي) من واردات منتجات الأخشاب.
وبين مصلى متنقل أثبت قدرة سعف النخل على التحول إلى مادة بناء، و تحذير الاستفادة الانتقائية للمخلفات الزراعية، وأرقام تشير إلى أكثر من 800 ألف طن سنويًا من مخلفات وسعف النخل، يبقى السؤال: هل سيظل سعف النخل في السعودية مخلفات تُهدر، أم موردا وطنيا قادرا على التحول إلى فرص صناعية تخلق وظائف واستثمارات وتقلل الاعتماد على الاستيراد؟




