السيادة الأوكرانية والمصالح الاقتصادية «2 من 2»

منذ 1992 قادت الولايات المتحدة أو دعمت معظم الحروب الساعية لتغيير الأنظمة بعد أن رأت نفسها القوة العظمى الوحيدة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. فقد قصفت قوات الناتو البوسنة في 1995 وبلجراد في 1999، واجتاحت أفغانستان في 2001، وقصفت ليبيا في 2011. كما غزت الولايات المتحدة العراق في 2003، بينما دعمت علنا في 2014 الاحتجاجات الأوكرانية التي أطاحت بفيكتور يانوكوفيتش رئيس البلاد الموالي لروسيا.
بالطبع تبنت روسيا هي الأخرى عمليات لتغيير الأنظمة، ومن ذلك ما حدث في 2004 عندما تدخلت في أوكرانيا لمساعدة يانوكوفيتش من خلال ترويع الناخبين وتزوير الانتخابات. وقد نجحت مؤسسات أوكرانيا والاحتجاجات الجماعية في وقف تلك الأعمال في النهاية. كذلك لا تزال روسيا تواصل فرض أنظمة صديقة في محيطها القريب أو مساندتها، وأحدث أمثلة ذلك ما فعلته في كازاخستان وروسيا البيضاء التي تخضع الآن بالكامل لسيطرة بوتين.
لكن العداوة والريبة المتبادلتين بين روسيا والغرب لهما جذور قديمة للغاية. فطالما خشيت روسيا أو كابدت بالفعل على مر التاريخ اجتياحات متكررة من جانب الغرب، تماما كما كان الأوروبيون يخشون أو يعانون المساعي التوسعية المتكررة للجانب الروسي من جهة الشرق. لقد كانت ملحمة دموية طويلة ومحزنة.
مع تبلور الحنكة السياسية في كلا الجانبين، كان من الممكن أن تخمد جذوة تلك العداوة التاريخية في أعقاب زوال الاتحاد السوفياتي. وربما كان ذلك محتملا في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، لكن أهدرت الفرصة. وقد كان لشروع الناتو في التوسع دور في ذلك. أذكر هنا أن جورج ف. كينان الدبلوماسي والمؤرخ طويل الباع بالعلاقات الأمريكية الروسية، كان بعيد النظر عندما أبدى تشاؤمه من الوضع في 1998 قائلا: "أعتقد أن توسع الناتو يبدأ حربا باردة جديدة، وأتوقع أن يتفاعل الروس تدريجيا على نحو معاد نسبيا، وسيؤثر ذلك التوسع في سياساتهم، أرى أن ذلك خطأ مأساوي". هذا الرأي اتفق معه وليام بيري، وزير الدفاع الأمريكي بين 1994 و1997، حتى إنه فكر في الاستقالة من إدارة الرئيس بل كلينتون بسبب تلك القضية.
لكن لا يمكن لأي من الطرفين أن يدعي براءته في هذه النقطة. وبدلا من سعي كل جانب للتظاهر بأنه قديس والآخر شرير، ينبغي للجميع التركيز على متطلبات تحقيق الأمن لكلا الجانبين والعالم الأوسع. هنا يشير التاريخ إلى أن من الأفضل إبقاء القوات الروسية وقوات الناتو منفصلتين جغرافيا، بدلا من تواجههما بصورة مباشرة عبر أحد الحدود. لقد بلغ الشعور الأوروبي والعالمي بعدم الأمان ذروته عندما تواجهت القوات الأمريكية والسوفياتية عن قرب في برلين في 1961 وكوبا في 1962. في ظل تلك الظروف المروعة التي هددت العالم، جاء إنشاء سور برلين ليكون أداة لحفظ التوازن، وإن كانت أداة مأساوية للغاية.
واليوم يجب أن تكون سيادة أوكرانيا وإرساء السلام في أوروبا والعالم أكبر همومنا، وليس وجود الناتو في أوكرانيا، أو بناء جدار جديد بالطبع. ستكون أوكرانيا ذاتها أكثر أمانا إذا أوقف الناتو توسعه شرقا في مقابل انسحاب روسيا من شرق أوكرانيا وفض تعبئة قواتها المرابطة بمحاذاة الحدود الأوكرانية. هناك حاجة ملحة إلى نشاط دبلوماسي بطول تلك الخطوط مدعوما بمشاركة من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي