«عمر النفط» بين الاستشراف والتخمين

|


الوقود الأحفوري الذي يتكون من النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم هو مصدر ناضب للطاقة، وهذه حقيقة ثابتة غير مختلف عليها. لن أتطرق في هذا المقال لأهمية الوقود الأحفوري عموما والنفط على وجه الخصوص، فقد خصصت مقالات كثيرة فصلت فيها أهمية النفط واستخداماته الكثيرة وتطبيقاته المختلفة، وأنها ليست حكرا على توليد الطاقة. عندما نقول إن النفط مصدر للطاقة ناضب، هذا يعني أن له نهاية عاجلا أم آجلا، ولا أتحدث هنا عن "النضوب الاقتصادي" بل عن النضوب الفعلي. نقرأ ونشاهد هنا وهناك بعض التصريحات التي لفتت نظري من أن عمر النفط في دولة ما هو كذا، حيث يخلصون إلى هذا الرقم بناء على حسبة بسيطة تتم بحساب كمية الاحتياطي "المؤكد" وقسمته على كمية الإنتاج اليومي الفعلي ويكون ناتج القسمة هو عمر النفط، بمعني لو أن دولة ما تملك على سبيل المثال مليار برميل من النفط، وتنتج هذه الدولة يوميا 100 ألف برميل، فعليه يكون عمر النفط في هذه الدولة هو حصيلة قسمة مليار برميل على 100 ألف برميل، حيث يساوي في هذه الحالة 10000 يوم أو 27.3 عام.
ذكرت سابقا أن حساب عمر النفط بهذه الطريقة غير علمي وغير دقيق لأسباب كثيرة من أهمها أولا: أن الاحتياطي "المؤكد" متغير وغير ثابت غالبا، فبحساب عمر النفط بالطريقة السابقة فإننا نتجاهل الاحتياطي "غير المؤكد" ونقصيه من المعادلة وهذا غير منطقي. الاحتياطي "غير المؤكد" من الممكن تأكيده أو جزء منه على أقل تقدير، وقد خصصت مقالا يوضح ذلك بعنوان "متى يصبح احتياطي النفط مؤكدا؟" من الأمثلة الواقعية على ذلك احتياطي النفط السعودي المؤكد الذي ظل ثابتا نحو 20 عاما رغم إنتاج السعودية المرتفع من النفط ما أثار تساؤلات مشروعة عند البعض، ودفع البعض بحسن أو سوء نية إلى التشكيك في الأرقام التي تم إعلانها سنويا من "أرامكو السعودية".
كل ما في الأمر أن "أرامكو" كانت تعوض ما تنتجه بتأكيد احتياطيات نفط جديدة لم تكن مؤكدة، وقد لا يعلم كثيرون أن نسبة التطابق بين الأرقام التي كانت تعلنها "أرامكو"، "الاحتياطي المؤكد" وبين النتائج التي أعلنتها الجهات المستقلة لتقييم الاحتياطي بلغت 99 في المائة تقريبا. حيث قضت هذه الجهات المختصة بتقييم الاحتياطيات النفطية نحو 18 شهرا في السعودية، وبصلاحيات كاملة واستقلالية تامة للوصول إلى تقييم دقيق للاحتياطي السعودي المؤكد من النفط وهذا ما حدث ولله الحمد، وهي خطوة أساسية وضرورية لطرح "أرامكو" للاكتتاب. ثانيا: كمية الإنتاج اليومي في حد ذاتها متغيرة في أي دولة منتجة للنفط في العالم، تزيد هذه الكمية وتنقص بحسب معطيات أسواق النفط العالمية من عرض وطلب حيث تتأثر بالأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية والفنية والسياسية إضافة إلى الكوارث الطبيعية التي تؤثر في الإمدادات النفطية. بناء على ما سبق يمكننا القول إن عمر النفط متغير وليس ثابتا وفقا للعوامل المتغيرة التي تم ذكرها، وحساب عمر النفط لأي دولة يراوح بين كونه تخمينا عشوائيا لا يراعي العوامل والظروف التي تم تسليط الضوء عليها، وبين استشراف مبني على أسس علمية، لكن لا يمكن الجزم وتحديد عمر قطعي.

إنشرها