السعودية واستراتيجية «الاقتصاد الدائري»

|


تتحرك المملكة منذ أعوام على صعيد تقليل الانبعاثات الكربونية، وتعد من الدول التي حققت تقدما لافتا على هذا الصعيد، خصوصا أن هناك بعض الدول لا تزال دون المستوى في علاج أزمة الانبعاثات، ولم تحقق الأهداف المطلوبة منها وفق القواعد الدولية المعمول بها. وعلى الرغم من أن السعودية تتصدر قائمة الدول الأكثر إنتاجا للنفط، إلا أنها اهتمت بمسألة البيئة بشكل عام، بما في ذلك توفير الدعمين المالي والعملي في هذا المجال. وتشترك البلاد في كل الفعاليات والمناسبات الدولية التي تختص بمسألة الانبعاثات. وفي الفترة الماضية قدمت إسهامات عدة في هذا المجال، خصوصا على صعيد مجموعة العشرين التي اتخذت زمام المبادرة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية.
والمملكة تعد أكثر الدول التزاما بتعهداتها في كل مجال على صعيد مجموعة العشرين، باعتراف الدول الأعضاء في هذه المجموعة، إلى جانب الطروحات التي تقدمها في مجال توفير أكبر قدر من قوة الدفع للمشاريع المهمة التي تحاكي استحقاقات المستقبل. من هنا، يمكننا النظر إلى ما طرحته السعودية أخيرا على صعيد الانبعاثات الكربونية تحت عنوان عريض "الاقتصاد الدائري المنخفض الكربون"، كما أوضحه الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، ويعد هذا مشروعا مهما على الصعيد العالمي، ومحوريا في مجال الحد من الانبعاثات الكربونية التي تتسبب في آثار سلبية في البيئة والحياة العامة هنا وهناك. كما أن هذا النوع من الاقتصاد يحمل معه فرصا جمة، ليست فقط على صعيد الوصول إلى الأهداف البيئية العالمية، بل أيضا على جانب الابتكارات والتطوير العلمي، وغير ذلك.
"الاقتصاد الدائري المنخفض الكربون"، إطار تجري من خلاله معالجة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن جميع القطاعات، وليس فقط النفط والطاقة التقليدية، وأيضا جميع أنواع الغازات المسببة للاحتباس الحراري. والنقطة الأخيرة تمثل محور الأزمة البيئية الراهنة، من خلال ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، وزيادة درجات حرارة الأرض، والتغير المناخي بشكل عام. ويتفق أغلب دول العالم على ضرورة مواجهة الاحتباس الحراري بالصورة الناجعة، وتحملت الدول الكبرى مسؤولية المعالجة هذه من ناحية دورها وقيادتها. لذلك، تتصدر مجموعة العشرين التجمعات الأكثر اهتماما بمسألة الحفاظ على البيئة العالمية، وتوفير الحصانة لها عن طريق توفير الدعمين العملي والمالي، وتقديم الدراسات والابتكارات والمخططات التي تدعم هذه المسيرة العالمية.
و"الاقتصاد الدائري"، الذي تطرحه السعودية، يقوم على أربع استراتيجيات، هي: الخفض، إعادة الاستخدام، التدوير، والتخلص. وهذا يعني أن التوازن سيعود إلى دورة الكربون بالطريقة نفسها التي تحدث في الطبيعة. ويرى المختصون المحايدون أن هذه المخططات تعد من أفضل ما يقدم حاليا على صعيد حماية البيئة بشكل عام، خاصة أنها تأتي من دولة معروفة بالالتزام بتعهداتها، وحرصها على الإسهام المباشر والفاعل في حل "كارثة" الاحتباس الحراري، وتقليل الأضرار الناجمة عنه. ولا شك أن مثل هذه المخططات تصب في مصلحة الإنسانية أولا، كما أنها تضع دولا كثيرة أمام مسؤولياتها، ولا سيما أن بعضها يحاول التخلص من هذه المسؤوليات، أو على الأقل، يسعى إلى تقليل مستوى دوره فيها. وستكون المرحلة المقبلة، وفق "الاقتصاد الدائري"، الذي تطرحه المملكة مهمة جدا على ساحة الوصول إلى أقرب نقطة لحماية البيئة، وهذا هدف عالمي إنساني واقتصادي بيئي، يشكل محور مستقبل البشرية جمعاء.

إنشرها