السعودية 2020 .. اقتصاد مزدهر

|


مع إعلان وزارة المالية البيان التمهيدي للموازنة العامة للدولة للعام المالي 1442-1441هـ (2020)، وهذه هي السنة الثانية من تطبيق وزارة المالية هذا النوع من التقارير المالية الحكومية التي تتسم بشفافية عالية، وهي في حد ذاتها أمثل تطبيق لما يعرف بالحوكمة الاقتصادية، وكقاعدة عامة لا يوجد في أي موازنة تعلنها الحكومات خبر أفضل من زيادة الإنفاق، ذلك أنه يعني مزيدا من الانتعاش ومكافحة الركود، وهو الأمر الذي يرتبط بكثير من القرارات الاقتصادية للمواطنين والمستثمرين،
فالبيان التمهيدي يعد المجتمع بأن تكون النفقات في العام المالي 2020 ما يزيد قليلا على تريليون ريال، ستنفقها الدولة لتحقيق أهداف التحول الاقتصادي، ويأتي في مقدمتها برامج الإسكان، وجودة الحياة، والتخصيص، والمشاريع الكبرى، واستكمال خطة حزم تحفيز القطاع الخاص، إضافة إلى المشاريع الأخرى التي يجري تنفيذها في قطاعات أخرى؛ وهي في مجملها مشاريع تهدف إلى دعم نمو الناتج المحلي غير النفطي خلال عام 2020 وعلى المدى المتوسط.
وإذا كان الحديث عن النفقات الضخمة يرتبط دائما بحجم قدرة الحكومة على توفير الإيرادات الكافية لتغطيتها فإن البيان التمهيدي يقدم تطمينات عالية المستوى بشأن ذلك، فالتوقعات تبشر بأن تصل الإيرادات - بإذن الله - إلى نحو ما يزيد على 800 مليار ريال، وبمقارنة هذه التوقعات بالإيرادات المتوقعة لعام 2019 يمكن قراءة خطط الحكومة بشأن الرسوم لتغطية العجز وهذا من شأنه أن يبعث رسالة اطمئنان لكل المؤسسات الاقتصادية التي تعمل وتنوي الدخول للاستثمار فلا مفاجآت في الطريق، وستغطي الدولة العجز المتوقع بالطريقة ذاتها التي تمت خلال عام 2019، وهذا أيضا خبر جيد للمستثمرين، خاصة أن المملكة تستهدف السوق المالية بإصداراتها من السندات التي خفضت من قيمتها الاسمية كما أن أسعار الفائدة السائدة لم تزل في مستويات تمثل فرصة حقيقية لمثل هذا النوع من الأدوات، كما أن العجز سيظل عند المستويات الطبيعية بمتوسط يصل إلى 6 في المائة من الناتج المحلي، وهذا المستوى مطمئن إلى حد بعيد.
الإعلان التمهيدي للموازنة العامة للدولة يبعث على الاطمئنان وأن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة استقرار إيجابية فعلا، ورغم أن الناتج المحلي لعام 2019 قد لا يتجاوز 1 في المائة لكن الخبر الجيد هو تجاوز المملكة كل التقلبات الصعبة التي واجهتها السوق النفطية خلال العام، ولعل التجربة الصعبة التي مرت بشأن الهجوم الإرهابي على منشآت النفط قدمت للمملكة فرصة لإثبات تنوع اقتصادها وقدرته على امتصاص مثل هذه الهجمات، ففي الجانب المضيء تجد أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاع غير النفطي حقق نموا بنحو 2.5 في المائة في النصف الأول من العام الجاري، وهذا يقود إلى توقعات إيجابية بشأن التحسن في الأداء لينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 2.3 في المائة في العام المقبل، هذه الصورة تؤكد أن خطط تنوع الاقتصاد السعودي تسير في الطريق الصحيح فالإيرادات المتوقعة لهذا العام ستصل بعون الله إلى نحو 917 مليار ريال، (بنمو 1.2 في المائة)، حيث يتوقع ارتفاع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى الناتج المحلي غير النفطي لتصل إلى نحو 16 في المائة نهاية عام 2019 مقابل 7 في المائة فقط عام 2012، ومن المتوقع انخفاض العجز في الميزانية للسنة المالية الحالية 2019 ليبلغ نحو 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام السابق.
هذه النتائج الرائعة جاءت مع استمرار العمل لتعزيز كفاءة الإنفاق من أجل تحقيق أعلى عائد، وتنفيذ البرامج والمبادرات لتمكين دور القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، والمساهم الأكبر في توفير فرص عمل للمواطنين، وهذه النتيجة جاءت واضحة مع تحسن أداء قطاع التشييد والبناء؛ حيث عاد لمعدلات النمو الإيجابية خلال عام 2019 بعد تراجع في الأعوام الثلاثة السابقة، وسجل نشاط تجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق ونشاط خدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال معدلات نمو بلغت 3.8 في المائة و5.1 في المائة على التوالي كذلك سجل نشاط النقل والتخزين والمعلومات والاتصالات ونشاط الخدمات الاجتماعية والشخصية (يتضمن أنشطة كالفنون والترفيه) معدلات نمو مرتفعة خلال النصف الأول من عام 2019 بلغت 5.6 في المائة و5.9 في المائة على التوالي مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق.
هكذا هي السعودية عام 2020 اقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحوكمة فاعلة، وسيكون المجتمع على موعد مع كثير من الإنجازات التي ستأتي تباعا مع نجاح مشاريع صندوق الاستثمارات العامة الذي استطاع أن يحرر كثيرا من البرامج الاقتصادية والمشاريع الجبارة من عنق زجاجة الموازنة العامة، كما أن عالم الاستثمار على موعد مع اكتتاب "أرامكو" وانتعاش الأسواق مع دخول الاستثمارات الأجنبية، تطورا كبيرا وإيجاد فرص وظيفية.

إنشرها