الابتكار في سوق العمل .. خصم وحكم

|

السؤال الشهير: من يأتي أولا الدجاجة أم البيضة؟ ينطبق أيضا على حالة العرض والطلب؛ إنها علاقة دورانية وليست علاقة خطية. الدجاجة تجود بالبيضة، والبيضة تعطي الدجاجة؛ كما أن العرض يحفز الطلب، والطلب يجلب العرض. إذا كنت في جانب العرض يجب أن تهتم بمدى جاذبيته للطلب؛ وإن كنت في جانب الطلب عليك أن تبحث عن العرض الذي يستجيب للطلب. وتحتاج كل من الحالتين إلى دراسة استباقية تبحث في مدى توافق العرض مع احتمالات الطلب عليه، أو توافق الطلب مع إمكان إيجاد العرض اللازم له.
هنا يبرز موضوع الابتكار الذي يفترض أن يقدم عرض أي منتج يتسم بالجودة ويعطي قيمة، حيث يمكن لمثل هذا المنتج أن يكون سلعة أو خدمة أو أسلوب عمل أو حلا لمشكلة. يقدم الابتكار إذا عرضا يحمل جديدا، لكن ذلك غير كاف، فهو يحتاج أيضا إلى البحث في مدى جاذبية العرض الذي يقدمه في تحفيز الطلب عليه، لأن في الطلب تكمن القيمة التي يتطلع الابتكار إلى تقديمها. وإذا حاولنا النظر إلى القيمة التي ينشدها الابتكار، بمنظار التنمية الاقتصادية، نجد أن لها محورين رئيسين: محور يتعلق بتوليد الثروة؛ ثم محور يهتم بتوظيف الإنسان. يأتي توليد الثروة من قيمة منتجات الابتكار في السوق، والأرباح التي تقدمها؛ ويجيء توظيف الإنسان من الحاجة إلى اليد العاملة التي تقوم بإعداد هذه المنتجات.
من توليد الثروة تبرز التنمية الاقتصادية على المستوى العام وفي توظيف الإنسان تأتي التنمية الاقتصادية على مستوى الإنسان الفرد والأسرة، أي بمضمون اجتماعي، يسمح لأصحاب الوظائف بالإسهام فيها، ويتيح لهم الاستفادة منها. على أساس ذلك، يؤمل في الابتكار أن يقدم منتجات تحقق توليد الثروة، وتؤدي إلى توظيف الإنسان. وقد تكون هناك فوائد أخرى معنوية للابتكار، تبعا لطبيعته، مثل إسعاد من يقتنيه لأنه يقدم حلولا لمشكلات تزيل عن كاهلهم معاناة ثقيلة. تواجه مسألة توظيف الإنسان في الوقت الحاضر ابتكارا مهما يعطي منتجات توظف النخبة المختصة لدى منتجيها، أي لدى أصحاب العرض؛ وتولد الثروة عبر جاذبيتها لدى المستخدمين، أي لدى أصحاب الطلب. لكنها مع ذلك، تؤدي إلى مشكلة اجتماعية واقتصادية على مستوى الفرد والأسرة، لأنها يمكن أن تستحوذ، لدى مستخدميها على كثير من الوظائف التي يقوم بها الإنسان. هذا الابتكار المهم هو الذكاء الاصطناعي الذي يعطي منتجات تتمثل في آلات ميكانيكية ذكية تحل محل الإنسان في أعمال مختلفة كثيرة؛ كما يقدم منتجات أخرى تتمثل في إجراء عمليات ذكية كعمليات الترجمة الآلية وغيرها. ويطلق على العمل الذي تقوم به منتجات هذا الذكاء لقب الأتمتة Automation الذي يعني القيام بالأعمال ذاتيا دون تدخل الإنسان.
تتحدى الأتمتة الإنسان في سوق العمل؛ لتضيف بذلك تحديا جديدا في هذه السوق يضاف إلى تحديين اثنين قائمين حاليا. يتمثل التحدي الأول في هجرة عمليات التصنيع من البلدان الصناعية مرتفعة الدخل، مثل أمريكا إلى بلدان أخرى تتمتع بعمالة مناسبة تؤدي الأعمال الصناعية المطلوبة بتكاليف أقل مثل الصين، ما يؤدي إلى رفع مستوى توليد الثروة الذي تسعى الشركات إلى تحقيقه، لكن على حساب سوق العمل في بلدها الأصلي. أما التحدي الآخر، فيتعلق بالمهاجرين القادمين إلى بلدان مرتفعة الدخل مثل أمريكا من بلدان محدودة الدخل، مثل المكسيك، حيث يقبل هؤلاء بأجور منخفضة، تؤدي إلى انحياز سوق العمل إليهم، على حساب أبناء البلدان مرتفعة الدخل.
يتميز تحدي الأتمتة عن التحديين السابقين بأنه يفاضل بين الإنسان والآلة، وليس بين الإنسان صاحب الأجر الأعلى والإنسان صاحب الأجر الأقل؛ أي أن تحدي الأتمتة يواجه الجميع حول العالم. وقد اعتبر أندرو يانج Andrew Yang المرشح المغمور نسبيا للرئاسة في أمريكا أن تحدي الأتمتة للمواطن الأمريكي في سوق العمل يفوق تحدي المهاجرين؛ ودعا في هذا المجال إلى التفكير بعمق في مسألة التحول التي تقودها الأتمتة ومتطلباتها.
ولاستيفاء مناقشة الأمر لا بد من النظر إلى تداعيات تحدي الأتمتة وإحلال الآلة محل الإنسان في أداء الأعمال والوظائف المختلفة، في شتى أنحاء العالم. فعندما لا تكون هناك وظائف كافية للإنسان، لا يكون هناك دخل للعاطلين عن العمل. بذلك يختل ميزان العلاقة بين العرض والطلب، فكثير من أصحاب الطلب يصبحون غير قادرين على دفع تكاليفه، ما يؤثر عبر العلاقة الدورانية في العرض، وبالتالي في كامل الحياة الاقتصادية على مستوى الدول ومستوى العالم بأسره. ناهيك أيضا عن المشكلات الاجتماعية التي يمكن أن تنشأ عن نسب البطالة المرتفعة.
يقف العالم اليوم أمام مشكلة كبرى في سوق العمل بدأت ملامحها بالظهور، وسبب المشكلة التجدد المتواصل للابتكار في الذكاء الاصطناعي، حيث تشهد إمكانات هذا الذكاء نموا مطردا، إضافة إلى التوسع المتزايد في تطبيقاته، وانتشار الأتمتة في مختلف مجالات الحياة. تتركز هذه المشكلة في الوظائف ذات الطبيعة الروتينية، البسيطة منها والمعقدة، سواء في القطاع الزراعي، أو قطاع التصنيع، أو قطاع الخدمات. وتمثل هذه الوظائف نسبة مرتفعة من الوظائف المتاحة حول العالم. أما الوظائف ذات الطبيعة غير الروتينية التي تحتاج إلى فكر وخيال، ونظرة شاملة في شؤون الحياة، واستباقية إلى المستقبل، وتركيز في الموضوعات المختلفة، فهي تبدو في مأمن من هذه المشكلة. لكن مثل هذه الوظائف أقل من سابقتها، وهي ليست في مأمن عندما تختل العلاقة بين العرض والطلب كما أسلفنا.
يبدو الابتكار في الذكاء الاصطناعي صديقا للإنسان في تقديم خدمات غير مسبوقة؛ لكنه يبدو أيضا خصما له في سوق العمل يتحدى وظائفه، غير آبه به، أو بالخلل في العلاقة بين العرض والطلب وتمكن الإنسان من دخل يسمح له بدفع ثمن ما يطلب. هذا الخصام يحتاج إلى وئام يتمثل في توجه الابتكار نحو تقديم نماذج عمل جديدة تعطي سوق عمل ترحب بالأتمتة إلى جانب الإنسان، وليست بديلا عنه، إضافة إلى نماذج تعليم جديدة تهيئ الإنسان لذلك، وتسهم إيجابيا في التحول الذي يشهده العالم.

إنشرها