أمن الطاقة العالمي

|


تعرف وكالة الطاقة العالمية أمن الطاقة على أنه "توافر مصادر الطاقة دون انقطاع وبأسعار يمكن تحملها". وقد أثار الاعتداء الغادر على منشآت المملكة النفطية استهجان العالم وقلقه حول أمن إمدادات الطاقة العالمية. وتسبب الاعتداء الحاقد في الإضرار ــ ولو مؤقتا ــ بكميات النفط المتوافرة للأسواق ورفع أسعاره بشكل مفاجئ، لهذا فهو ليس اعتداء سافرا على المملكة وحدها فحسب وإنما هو تهديد واضح لأمن الطاقة العالمي بشكل إجمالي. وتتأثر كل مصادر الطاقة بتغيرات أسعار النفط وإمداداته، حيث تقود زيادة أسعاره إلى رفع أسعار أنواع الطاقة الأخرى. وتؤثر زيادة أسعار الطاقة سلبا في عدالة توزيعها بين دول العالم والشرائح الاجتماعية المختلفة.
لأمن الطاقة أوجه متعددة فقد يكون على المستوى المحلي أو الدولي أو يكون قصير الأجل أو طويل الأجل. ويتسبب انقطاع أو نقص إمدادات الطاقة قصير الأجل في تقلبات حادة في أسعار الطاقة ويولد صدمات أو هزات في عرض السلع والخدمات. وفي حالة استمراره لفترات زمنية مطولة فإنه يخفض معدلات النمو الاقتصادي ويرفع معدلات البطالة ومعدلات التضخم. ويمكن الحد من أضرار انقطاع مصادر الطاقة قصير الأجل ببناء المخزونات الاستراتيجية في الدول المنتجة والمستهلكة والسحب منها عند الحاجة. ويكتسب النفط أهمية استراتيجية بالغة بسبب استخداماته الواسعة في الجيوش والمعارك الحربية ما يجعل إمداداته ومنشآته أهدافا في النزاعات العسكرية، مثلما أسهم نقص إمدادات النفط للجيوش النازية في الحرب العالمية الثانية في تسريع هزيمة ألمانيا.
أما أمن الطاقة طويل الأجل فيتطلب تأمين مصادر طاقة كافية لتلبية الطلب المستقبلي. ويعد توافر الطاقة المستمر شرطا أساسيا من شروط النمو المستدام، حيث تلعب الطاقة دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية والإنسانية بوجه عام، ويزداد استهلاكها مع تطور البلدان وازدهار أنشطتها الاقتصادية. ولمواجهة التحديات المستقبلية طويلة الأجل للطاقة تحاول الدول تطوير مصادرها المحلية وخفض الاعتماد على الواردات وتنويع مصادرها قدر المستطاع والمحافظة في الوقت نفسه على مقدراتها وثرواتها البيئية. وتشجع دول العالم الأسواق على إنتاج موارد الطاقة وتحسين كفاءة استهلاكها، من خلال تحرير أسعار الطاقة وخفض الضرائب والقيود الإدارية على إنتاج الطاقة مع الالتزام بحماية البيئة وسلامة أنواع الحياة. كما تشجع دول العالم تنويع مصادر الطاقة لخفض الاعتماد على مصدر معين أو مصادر محدودة وخفض مخاطر انقطاع إمدادات الطاقة. وتركز دول العالم أخيرا على استخدام مصادر الطاقة المتجددة لزيادة تنويع مصادرها والحفاظ على البيئة وخفض الاعتماد على المصادر الخارجية.
يعد النفط من أفضل موارد الطاقة حيث يمكن نقله إلى مختلف أرجاء العالم وتخزينه بسهولة أكبر من معظم مصادر الطاقة الأخرى. لهذا يعمد كثير من دول العالم إلى بناء مخزونات استراتيجية لاستخدامها وقت الحاجة. من ناحية أخرى يعاني مستهلكو بعض مصادر الطاقة الأخرى كالكهرباء والغاز الطبيعي من صعوبة تأمين مصادر بديلة لها عند انقطاع الإمدادات المفاجئ ما يسبب خسائر فادحة للأعمال ومعاناة الأسر أوقات الأزمات.
أسست دول منظمة التعاون والتنمية الوكالة العالمية للطاقة قبل 45 عاما للحفاظ على أمن الطاقة للدول الأعضاء. وكان من ضمن أهدافها توفير أمن الطاقة الجماعي للدول الأعضاء، وبناء مخزونات استراتيجية، والتدخل في الأسواق وقت الحاجة. وحققت الوكالة عديدا من أهدافها ونجحت في زيادة أمن إمدادات النفط، حيث تملك الدول الأعضاء مخزونات تكفي لمدد زمنية معقولة. وتتعرض مصادر الطاقة لمخاطر وتعديات أمنية في كثير من دول العالم، ما يهدد إمدادات الطاقة على مستوى العالم ويؤثر بالتالي في نمو كل العالم ورفاهيته. ولهذا لا بد أن تتحمل دول العالم مسؤولية حماية مصادر الطاقة وضمان سلامة نقلها. إن على العالم ككل أن يتصرف بشكل جماعي لضمان إمدادات الطاقة العالمية وصياغة اتفاقيات ومواثيق دولية لحماية مصادر الطاقة ووسائل نقلها، وتجريم الاعتداء عليها أو التأثير في إمداداتها، ووضع الآليات الضرورية لتفعيل تلك الاتفاقيات وفرض العقوبات المناسبة على مخترقيها.
يمثل الاعتداء الأثيم الأخير على منشآت الطاقة في المملكة تحديا سافرا للعالم ككل، ليس لأنه فقط يهدد أمن الطاقة العالمي ويولد مخاطر على نمو الاقتصاد العالمي، ولكنه تعمد واضح وصريح للفتك بالحياة البشرية والحيوانية والنباتية. كما تتسبب هذه الأعمال الخسيسة في إيقاع أضرار بيئية كارثية على الكرة الأرضية لو لم تتم السيطرة على الحرائق الناشبة عنها ووقف انبعاثات الكربون الكثيفة منها بسرعة وفاعلية مناسبة. وتحاول دول العالم الحد من انبعاثات الكربون لحماية الحياة على وجه الأرض، ولكن هناك دولا ومنظمات مارقة لا تكترث بالحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية ولا بالأضرار الناجمة عن أعمالها الهمجية التي لا تخدم إلا أهدافها الشريرة.

إنشرها