بعضهم يقول: بريطانيا ليست أوروبية

|


«انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق خيانة للناخبين»
فيليب هاموند، وزير المالية البريطاني السابق

صارت بريطانيا منذ ثلاثة أعوام تقريبا "دولة القضية الواحدة". تأجلت كل القضايا فيها للتعامل مع خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي "بريكست". لا غرابة في ذلك، لأن هذه القضية جلبت معها أزمات متعددة، دستورية، وطنية، اقتصادية، اجتماعية، ومعيشية. أما السياسية فهي المعضلة الكبرى حقا. فمجلس العموم "البرلمان" سد الطرق كلها أمام أي محاولة حكومية للانسحاب من أوروبا دون اتفاق. هذا الكيان التشريعي أظهر قدرة كبيرة على تعطيل ما لا ترغب الأغلبية في تمريره. لكنه صنع أزمة سياسية حقيقية كشفت حقائق كثيرة في مقدمتها أن نواب الحزب الواحد منقسمون، وأن الديمقراطية في هذه البلاد ليست محكمة وكاملة. لماذا؟ لأن بإمكان رئيس الوزراء ببساطة تعطيل البرلمان، وتمرير ما فشل في تمريره.
رئيس البرلمان جون بيركو المتهم من قبل "البريكستيين" بأنه "أوروبي الهوى"، قال تعبيرا لافتا ونادرا للتدليل على أنه لن يقف مكتوف الأيدي، أمام أي محاولة لتعطيل البرلمان. قال ما يتوافق مع المقولة الشهيرة "على جثتي". ما يؤكد مجددا الحالة السياسية البائسة التي تعيشها المملكة المتحدة، وما يعزز الاعتقاد أن الموعد المحدد للخروج من الاتحاد نهاية تشرين الأول (أكتوبر)، ربما يكون موعدا آخر مؤجلا لهذا الخروج. لكن الحلول الحاسمة قليلة، هذا إن وجدت بالفعل. فالمشكلة هنا، أن الحكومة قوية من جهة واحدة فقط، وهي أنها ستنسحب تنفيذا لإرادة الشعب الذي صوت أغلبه على هذا الانسحاب قبل ثلاثة أعوام. ورغم هذه القوة "الشعبية"، هناك مسألة أقوى تتعلق بأن هذا الشعب اختار الخروج، لكنه لم يسأل عن شكل هذا الخروج. ومن هنا، فالديمقراطية السلمية أن يعطي رأيه في هذه الجزئية المحورية.
في استفتاء الخروج تكون شروط الانفصال مطروحة أساسا في النقاشات، فضلا عن أن أحدا لم يأت على ذكر وضعية إيرلندا الشمالية بعد الخروج. وهذه القضية حساسة في المملكة المتحدة كلها. لأنها باختصار مرتبطة بصراع دموي تاريخي طويل، تم حله قبل عقدين من الزمن، وعلى رأس معطيات الحل، أن تفتح الحدود بين إيرلندا الشمالية والجنوبية. وهذه الأخيرة عضو كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يصر بوريس جونسون رئيس الوزراء الجديد على الانسحاب بأي شكل كان في الموعد المحدد له. إصرار يجمع حوله أعدادا كبيرة من نواب مجلس العموم، لكنها ليست كافية لتمرير خروج دون اتفاق. وهي ليست كافية، لأن عددا من نواب الحزب الحاكم نفسه قرروا علنا التصويت ضد حكومتهم وإسقاطها إذا لزم الأمر، لمنع مثل هذا الخروج.
لا قضية أخرى مطروحة في بريطانيا بهذا الزخم سوى "بريكست". أصبح التحرك حاليا مركزا على كيفية التخلص من حكومة جونسون بعد عودة البرلمان من عطلته الصيفية. هذا الأمر على وجه الخصوص يتطلب ما يمكن وصفه بـ"حكومة وطنية"، أي أن يشترك في إيصالها للحكم المؤقت نواب من كل الأحزاب، خصوصا مع وجود تناغم كبير بين شرائح عريضة من نواب هذه الأحزاب المؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، والداعية إلى إجراء استفتاء ثان على هذه المسألة، والرافضة بقوة لخروج دون اتفاق واضح، يضمن علاقات جيدة مع الأوروبيين، ويؤمن الحال الحساسة جدا لإيرلندا الشمالية. المشكلة في هذا الحل، أن نسبة حاسمة من "نواب البقاء"، لا ترغب في وصول جيرمي كوربين زعيم حزب العمال المعارض إلى السلطة. فحول هذا الأخير كثير من علامات الاستفهام، كما أنه شخصية لا يمكن الالتفاف حولها.
لنترك كوربين الذي يعيش أحلام وأوهام الحرب الباردة، ويتمنى أنها لا تزال موجودة على الساحة العالمية. فهو في النهاية لن يدخل "داوننيج ستريت" حتى بصفة رئيس وزراء مؤقت يقود حكومة وطنية. الأيام المتبقية لموعد الخروج الحاسم قصيرة، وبإمكان جونسون أن يعطل البرلمان فعلا، الأمر الذي يدفع احتمال الخروج بلا اتفاق إلى الصدارة. وإذا لم تكن هناك كتلة متماسكة من أولئك الذين يسعون إلى انفصال باتفاق، أو استفتاء ثان، فلن يستطيع أحد إيقاف رئيس الحكومة الجديد الذي ينظر إليه في بريطانيا على أنه النسخة الإنجليزية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وهذا الأخير أكثر الرؤساء الأمريكيين وضوحا وصراحة. فهو يدفع المملكة المتحدة إلى الخروج من الاتحاد بأي صورة كانت، ويشجع على اتفاقات تجارية بين واشنطن ولندن "ستغطي" خسائر الانفصال المشار إليه.
الأسابيع القليلة المقبلة حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) ستكون حاسمة على الساحة البريطانية، رغم عدم وضوح الرؤية حول أي شيء يخص "بريكست". ما هو واضح بالفعل أن هذه البلاد ستشهد صياغة سياسية جديدة، بعد أن برزت الصياغة الاجتماعية على حقيقتها. حقيقة أن الأغلبية البسيطة كانت حاضرة في المشهد العام منذ عقود وتؤيد بقوة الانعزال عن البيئة الأوروبية كلها. بعض أفراد هذه "الأغلبية" قالوا صراحة، نحن لسنا أوروبيين.

إنشرها