التحرر من النفط لا يعني انكماش صناعته «2»

|


عود على بدء، ذكرت في المقال السابق أن هناك لبسا عند البعض حول ماهية التحرر من النفط، وأن هناك من يظن أنه يعني الاستغناء عنه كليا في المستقبل، وهناك من يظن أن تحقيق هذا التحرر يعني بالضرورة انكماش الصناعة النفطية. ذكرت أن التحرر من النفط يعد من أهم الركائز الأساسية في الرؤية المباركة للمملكة العربية السعودية، التي تهدف إلى رفع الصادرات غير النفطية من 16 في المائة من إجمالي الناتج غير النفطي إلى 50 في المائة بحلول عام 2030 بإذن الله. الصناعة النفطية ليست حكرا على صناعة "المنبع" وبيع النفط خاما، بل هي أوسع من ذلك بكثير، وهي تشمل صناعة "المصب" أيضا التي تم التطرق لها ولاستراتيجية "أرامكو السعودية" المميزة للتكامل بين هاتين الصناعتين والتوسع فيهما، الأمر الذي يحقق القيمة المضافة المرجوة.
هذه الاستراتيجية المعلنة توضح للقارئ الكريم أن ليس هناك أي تعارض بين التحرر من النفط والتوسع في صناعته، وبالتالي ليس هناك علاقة عكسية تجمعهما. ختمت المقال السابق بسؤالين هما موضوع هذا المقال وهما: أين موقع الغاز الطبيعي من هذه المعادلة؟ وهل يعني ارتفاع قيمة الصادرات غير النفطية بالضرورة انخفاضا في قيمة الصادرات النفطية؟ يجري على صناعة الغاز ما يجري على صناعة النفط من حيث إمكانية تصديره إما بصورته التي يتم استخراجه بها أو بإسالته ليسهل نقله وتصديره إلى دول بعيدة يصعب بل يستحيل أحيانا نقله بالطريقة التقليدية. وقد أفردت لصناعة الغاز سلسلة من المقالات قبل عامين بعنوان: "عالم صناعة الغاز".
الجدير بالذكر أن الغاز عنصر أساس في الصناعة البتروكيماوية وقيمة مضافة لهذه الصناعة، إضافة إلى كونه مصدرا مهما من مصادر الطاقة سيخفف من الحرق المباشر للنفط، وهذا ما تسعى إليه المملكة للاستفادة القصوى من برميل النفط. السعودية تهدف لأن تكون دولة مصدرة للغاز خلال الأعوام القليلة المقبلة، ولاعبا مهما ورئيسا في أسواقه، وهذا بلا شك يعني التوسع في استخراجه. وبلا شك هذا دليل آخر على أن التحرر من النفط لا يعني انكماش صناعته. صناعة النفط تعني ضمنيا صناعة الغاز أيضا، فوجود الغاز في باطن الأرض إما أن يكون مصاحبا للنفط وهو ما يسمى "الغاز المصاحب"، وإما أن يكون غير مصاحب له، وفي كلتا الحالتين تكون طرق الاستخراج متشابهة إلى حد كبير جدا.
أود أن أنوه أيضا للإجابة عن السؤال الثاني، إلى أن رفع نسبة الصادرات غير النفطية إلى 50 في المائة بحلول عام 2030 بإذن الله لا يعني انخفاض قيمة الصادرات النفطية عما هي عليه الآن، ولا يعني ذلك أن سقف الصادرات النفطية سيبقى ثابتا ولا يصاحبه نمو كما هو الحال في الصادرات غير النفطية.
الذي أراه أن النمو لكليهما سيستمر بإذن الله ولكن بوتيرة مختلفة حيث يكون نمو الصادرات غير النفطية أسرع من نمو الصادرات النفطية خلال الـ11 عاما المقبلة التي تفصلنا عن عام 2030. أود أن أشير أيضا إلى أن كمية الإنتاج، وهي المؤشر الحقيقي لمدى التوسع في الصناعة النفطية، لا تحكمها علاقة طردية بالضرورة مع كمية الصادرات. وهذا موضوع المقال القادم بإذن الله.

إنشرها