هل النمو الراهن للقطاع الخاص كاف لنمو التوطين؟

|


قبل الإجابة والتوسع فيها؛ لننظر فيما حدث خلال العامين الأخيرين. أظهر أداء القطاع الخاص نموا حقيقيا لم يتجاوز 1.5 في المائة خلال 2017، لكنه نجح في رفع معدل توطينه للوظائف بنحو 6.2 في المائة (صافي زيادة 104.3 ألف فرصة عمل)، جاءت الزيادة الأكبر لمصلحة الإناث بمعدل نمو سنوي 12.2 في المائة (صافي زيادة 61.4 ألف فرصة عمل)، مقابل زيادة للذكور للفترة نفسها بمعدل نمو سنوي 3.7 في المائة (صافي زيادة 42.9 ألف فرصة عمل)، بمعنى أن كل عشر فرص عمل تشكلت في القطاع الخاص خلال 2017، استحوذت الإناث على ست فرص منها، مقابل أربع فرص للذكور.
رغم تلك النتائج الجيدة نوعا ما على مستوى نمو التوطين في القطاع الخاص خلال 2017، إلا أن معدل البطالة سجل ارتفاعا من 12.4 في المائة (5.9 في المائة للذكور، 34.5 في المائة للإناث) بنهاية 2016، إلى نحو 12.8 في المائة (7.5 في المائة للذكور، 31.0 في المائة للإناث) بنهاية 2017، وكما يلاحظ القارئ الكريم، فقد تركز ارتفاع معدل البطالة لدى الذكور من 5.9 في المائة إلى 7.5 في المائة، مقابل انخفاضه بالنسبة للإناث من 34.5 في المائة إلى 31.0 في المائة، وهو التطور المتسق مع الزيادة الأكبر من حيث زيادة فرص العمل لمصلحة الإناث، مقابل الحصة الأدنى لمصلحة الذكور، التي لم تتمكن رغم ارتفاعها من خفض معدل البطالة لديهم.
جاءت النتائج خلال 2018 على العكس تماما؛ ففي الوقت الذي تمكن القطاع الخاص من رفع معدل نموه الحقيقي إلى 1.9 في المائة، انخفض توطينه للوظائف بنحو 4.2 في المائة (صافي انخفاض 75.5 ألف فرصة عمل)، جاء الانخفاض الأكبر على حساب الذكور بمعدل سنوي 4.4 في المائة (صافي انخفاض 53.0 ألف فرصة عمل)، وانخفاض الإناث بمعدل سنوي 4.0 في المائة (صافي انخفاض 22.5 ألف فرصة عمل)، أي أن كل عشر فرص عمل تم فقدها في منشآت القطاع الخاص، فقد خلالها الذكور نحو سبع فرص عمل، مقابل فقد الإناث نحو ثلاث فرص عمل.
اللافت هنا رغم كل تلك التطورات الأخيرة في 2018، أن معدل البطالة انخفض من 12.8 في المائة (7.5 في المائة للذكور، 31.0 في المائة للإناث) بنهاية 2017، إلى 12.7 في المائة (6.6 في المائة للذكور، 32.5 في المائة للإناث) بنهاية 2018، وما زاد من صعوبة تفسير هذا التحول الجيد في ظاهره على مستوى الانخفاض الطفيف في معدل البطالة، أن الهيئة العامة للإحصاء لم تقم بنشر أعداد العاطلين كالعادة في نشرتها لسوق العمل المحلية للربع الرابع 2018، إلا أن المؤكد هنا أن أعداد العاطلين انخفضت بنهاية 2018، وهو ما دفع بمعدل البطالة إلى الانخفاض، وتظل صعوبة تفسير انخفاض العاطلين قائمة، خاصة في ظل تراجع التوظيف للسعوديين خلال الفترة نفسها بنحو 4.2 في المائة (صافي انخفاض 75.5 ألف فرصة عمل)، على الرغم من نمو توظيفهم في القطاع الحكومي للفترة نفسها بمعدل سنوي 1.8 في المائة (صافي ارتفاع 25.3 ألف فرصة عمل). ولم تخرج تطورات التوطين خلال الربع الأول من 2019 عن مسارها في 2018، إذ سجل التوطين انخفاضا سنويا بمعدل 3.5 في المائة (صافي انخفاض 62.3 ألف فرصة عمل)، مقابل ارتفاع معدل النمو الحقيقي للقطاع الخاص بنحو 2.3 في المائة. في المقابل؛ انخفض معدل البطالة من 12.9 في المائة (7.6 في المائة للذكور، 30.9 في المائة للإناث) بنهاية الربع الأول 2018، إلى 12.5 في المائة (6.6 في المائة للذكور، 31.7 في المائة للإناث) بنهاية الربع الأول 2019.
رغم ما قد يراه البعض أن الغوص في التفاصيل أعلاه قد يشتت التركيز، إلا أن ما يتطلبه الأمر لأجل تحقيق معدلات زيادة في التوطين، والعمل المستمر في اتجاه خفض معدل البطالة بين الذكور والإناث من المواطنين، يتطلب مزيدا من التفاصيل، والنظر بعمق أكبر في التفاصيل الأدق المتعلقة بتطورات التوطين على مستوى نشاطات القطاع الخاص كافة، والتعرف من خلالها على مواطن النمو الحقيقي للتوطين، وما يقابلها في الوقت ذاته من انخفاض لدى النشاطات التي انخفضت لديها العمالة الوطنية.
ولا يقف الأمر عند هذا؛ بل لا بد من التركيز أيضا على تغيرات التوطين ارتفاعا وانخفاضا على مستوى تبويب الوظائف حسب مستوياتها الإدارية وحسب مستويات الأجور الشهرية (الوظائف العليا، التنفيذية، المتوسطة، الدنيا)، وهي تلك التطورات المهمة التي أظهرت تركز انخفاض العمالة الوافدة في المستويات الأدنى إداريا ومن حيث الأجور بمعدل سنوي بلغ 15.5 في المائة خلال 2018، مقابل انخفاضها بما لا يتجاوز 1.4 في المائة لدى الوظائف الأعلى مستوى إداريا ومن حيث الأجور.
ذكر صندوق النقد الدولي أن نمو التوطين في القطاع الخاص، مرتبط بدرجة كبيرة باشتراط ألا يقل النمو السنوي للقطاع عن معدل 7.0 في المائة، ويبدو أن الصندوق الدولي قد فاته كثير جدا في هذا الخصوص، فالأمر كما تظهر مؤشرات الأداء أعلاه أكثر تعقيدا مما تم التوصل إليه. القطاع الخاص يواجه تحديات عديدة، والتوطين يواجه في الوقت ذاته تحديات أكبر، وعلى الرغم من مساندة ودعم الحكومة للقطاع الخاص في مواجهة تحدياته العديدة، إلا أن القطاع الخاص لم يترجم أيا من ذلك الدعم الحكومي السخي بأي دليل يذكر على زيادة توطين وظائفه، وهو الأمر الذي سبق الحديث عنه مرارا وتكرارا في أكثر من مقال ومقام، وأن منشآت القطاع الخاص يضعف من جهودها في هذا الشأن المتعلق بزيادة التوطين عديد من الأسباب، لعل من أبرزها السيطرة المفرطة للعمالة الوافدة على مفاتيح اتخاذ القرار داخل تلك المنشآت، والحديث تحديدا هنا ينصب على سيطرتها العالية على أغلب المناصب العليا والتنفيذية، الأمر الذي دعا إلى مطالبة وزارة العمل طوال الأعوام الأخيرة، بأن تبتكر برامج توطين خاصة بالمواقع القيادية والتنفيذية، سيكون نجاحها كفيلا بتحقيق مزيد من مؤشرات نجاح بقية برامج التوطين، وأن غياب مثل تلك الإجراءات اللازمة والحازمة، سيكون أحد أسباب ضعف نتائج برامج التوطين كافة، وهو ما سيأتي استكمال الحديث حوله، والتوسع في تفاصيله بصورة أكبر بمشيئة الله تعالى في المقال القادم. والله ولي التوفيق.

إنشرها