ما تأثير مجموعة العشرين؟ «2 من 2»

|


أشرت في المقال السابق إلى ماهية مجموعة العشرين، وأكثر ما يقلقها هو الفساد لارتباطه الوثيق بالفقر ونقص الغذاء والإرهاب، لذا تعمل المجموعة مع المنظمات الدولية ذات العلاقة مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التعاون الاقتصادي، على محاربة هذه الظواهر من خلال محاربة الفساد الاقتصادي "وفي هذا المقال يجب أن أكون واضحا، فليس كل فساد في الأرض تحاربه مجموعة العشرين أو تهتم به"، ويجب ألا تعول الأمم كثيرا على هذه المسألة، فما يهم دول مجموعة العشرين هو ذلك الفساد الذي قد يربك الاقتصاد الدولي، فما هو؟
كما قلت سابقا، مرارا، إن تفسير الفساد بأنه اختلاس الأموال، أو استغلال المنصب للمصلحة الخاصة، هو تفسير قاصر جدا للفساد، "ولقد طالبت هيئة مكافحة الفساد بتوسيع مفهومها عنه"، فالفساد هو كل تحيز ضد أصحاب المصلحة الحقيقيين، هنا التحدي في فهم وتحديد الفساد. إن قرارا قد يبدو عاديا جدا ولا علاقة له بالفساد، لكنه لا يصب في مصلحة مانحي الأموال، أو دافعي الضرائب، أو المصلحة العامة بشكل أدق، هو قرار فاسد جملة وتفصيلا، طالما قد تحيز لغير أصحاب المصلحة، حتى لو لم يضر بهم مباشرة، وللتوضيح حتى لا يضيع مسار المقال، فإن إجبار الطلاب مثلا على قبولهم بأعداد كبيرة في تخصصات لم يعد لها طلب، ولا سوق عمل رائجة لمجرد عدم قدرة مجلس الجامعة على إغلاق هذه التخصصات، لأن فيها أعضاء هيئة تدريس وزملاء مهنة، هو التحيز والفساد بعينه، لكن دول مجموعة العشرين لا تهتم بمثل هذا التحيز والفساد، ولا تهتم أيضا بأن يقوم مسؤول بتوظيف أهل قرابته، ولا بأن يستخدم أصول المؤسسة لمصلحتهم، مثل هذا الفساد لا يعني دول مجموعة العشرين "مباشرة".
لكن تهتم بفساد يضر بالاستثمارات العامة في أي دولة من دول المجموعة، وفساد يدمر النظام المالي والمصرفي برمته، وفساد في تخصيص المشاريع، أو في تمويلها، ومن ذلك التهرب الضريبي، هو ما يقلق G20 ومؤسساتها الدولية كافة، المنضمة والمراقبة، هنا سأضرب مثالا بشأن استقلالية البنك المركزي "مؤسسة النقد لدينا"، ذلك أنه يجب على واضعي السياسات النقدية في أي بلد تجنب الفساد، الذي من شأنه التحيز "للحكومة" ضد دافعي الأموال "سواء الضرائب أو السندات والصكوك والمستثمرين"، فعلى أي حكومة "أي مجموعة أشخاص الوزراء ونوابهم" استخدام الأموال العامة بأفضل طريقة ممكنة من شأنها تعظيم منفعة دافعي الأموال بشكل عام، "وليس دعم الإرهاب أو امتلاك السلاح النووي كما في إيران"، وهذا يتطلب الاستثمار الكفء المؤدي إلى الاستدامة والنمو الاقتصادي بشكل جيد، هنا يأتي دور البنك المركزي في القراءة المستقلة للوضع الاقتصادي، وبالتالي "قرار سعر الفائدة"، فإذا ارتفع سعر الفائدة فهذا يعني مخاطر أكثر في الاقتصاد، والعكس صحيح، لكن هذا يعتمد كليا على استقلال البنك المركزي، فإذا خضع البنك المركزي لقوة الوزراء "الحكومة"، كما في تركيا، فإنه يقع تحت رغبتهم في استمرار سياساتهم ولو كانت ضارة، وبغض النظر عن صدق أسعار الفائدة وسلامة الاقتصاد، هذا في نظر مجموعة العشرين فساد خطير، ولا بد من مكافحته ولهذا تطالب مجموعة العشرين بقضايا الحوكمة الاقتصادية مثل استقلال البنك المركزي، وتكون قلقة جدا من احتمالات تدخل الحكومة في سياسات سعر الصرف أو سياسات أسعار الفائدة.
لكن المسألة تسير أبعد من هذا، حيث من المهـــم للـG20 أن تعرف مصير تلك الأموال والاستثمارات، التي في يد الحكومة، هنا تطالب المجموعة من خلال مؤسساتها بالشفافية المالية، وهذا يتطلب كثيرا من العمل، فالمجموعة تطالب بتقارير مستمرة بشأن ميزانية الدولة، والعجز خصوصا، وكيفية تمويله، وبأن تكون الحكومة شفافة في مستويات العجز المستهدفة، ومن ذلك كيف سيتم تحديد سعر الفائدة؟ "هنا الاستقلال الذي ذكرته"، وثانيا احتمالات السداد أو إعادة الجدولة، "شفافية أدوات تمويل المالية العامة وخدمة الدين"، فلا مانع من أن تستمر في الاقتراض طالما الشفافية جيدة بشأن سعر الفائدة، وأن تكون واضحا بشأن سياسات السداد. يعمل صندوق النقد الدولي على مساعدة الدول على هذا الشأن، بمعنى أنه يمكنها من الاقتراض والاستمرار في السداد، ويقدم نصائح بشأن الضرائب ورفع الدعم، وتخفيض المصروفات الاستهلاكية غير المنتجة كأفضل مسار، لكن البقاء في هذا مرهون بعدالة الضرائب وعدم وجود ملاذات لها "تساءلت المجموعة أخيرا عن ضرائب التجارة الإلكترونية"، والرواتب وزيادة عمل العمال، وساعات العمل، والنمو في الإنتاج وكميات السلع، هنا تلتقي سياسات مجموعة العشرين في محاربة الفساد مع سياسات الدول نفسها، فالفساد في قرارات داخلية، "في المؤسسات داخل الدولة مثل فساد قرارات قبول الطلاب في الجامعات"، لا يعزز من قدرات الناس على العمل والابتكار والإنتاج، سيقود إلى ضغوط كبيرة عليهم عندما تأتي توجيهات صندوق النقد نحو السياسات المالية بشأن الضرائب وخفض الدعم، وتقليل المصروفات الاستهلاكية غير المنتجة، وفي بعض الدول قد تقود الممارسات الفاسدة داخليا إلى اضطرابات عامة كلما ارتفع سعر الفائدة، وتم رفع الدعم مع تنامي العجز والقروض الدولية، وبالتالي يصعب معالجة كل ذلك دفعة واحدة، وهذا ما يشهده العالم أجمع من توترات عمالية متتالية.
تظل هناك مشكلة عالقة، وهي التشريعات بشكل عام، وكيف يحدد البنك المركزي "مؤسسة النقد" حجم الاقتصاد والنمو، وكيف تحدد المالية رقم العجز، وكيف يعرف المستثمرون صحة هذه الأرقام؟، وهنا يأتي علم المحاسبة بكل ثقله، ومنتج علم المحاسبة وفنه هي القوائم المالية، "الحساب الختامي والميزانية"، لهذا تهتم مجموعة العشرين من خلال مؤسساتها المنضمة إليها مثل منظمتي التعاون الاقتصادي، والتجارة العالمية، بشأن هذه القوائم والحسابات وكيفية إعدادها، والأرقام الواردة فيها "القياس والإفصاح"، وهذا لن يتم ما لم تقم كل دول مجموعة العشرين باتباع مجموعة تشريعات واحدة، ولهذا دعت المجموعة إلى تشريعات مثل الإفلاس، والمنافسة الحرة، وسهولة دخول رؤوس الأموال، وعملت مؤسسة مجلس معايير المحاسبة الدولية على معايير محاسبية واحدة، وقد استطاعت المملكة خلال الأعوام من 2017 من اعتماد تطبيق هذه التشريعات ومعايير المحاسبة، ولهذا فإن القوائم المالية للبنوك السعودية وللشركات في السوق المالية قابلة للمقارنة بأي قوائم لأي شركة في العالم، ومن ذلك القدرة على إنتاج الأرباح، هنا تجد تفسيرا للإقبال الكبير على سندات شركة أرامكو عندما أعلنت وضعها المالي، وخططها بعدما كانت مغلقة.

إنشرها