تركيا في مأزق مواجهة الغرب

|


تواجه تركيا في ظل نظامها الحاكم، جملة من التهديدات الخطيرة من جانب البلدان الغربية الكبرى. فبعد تجاوزها التحذيرات الأمريكية بعدم شراء منظومة الصواريخ الروسية المعروفة باسم "إس 400"، لا تزال تمضي قدما في أعمال التنقيب عن الغاز غير المشروعة قبالة جزيرة قبرص في البحر المتوسط. التحذيرات بشأن عمليات التنقيب جاءت بقوة من جانب الاتحاد الأوروبي الذي يرتبط بتركيا بسلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية التي تشكل إضافة محورية للاقتصاد التركي برمته. فالأوروبيون لا يريدون هذه العمليات لأنها ببساطة لا تستند إلى أسس مشروعة، ويعدون الأعمال التركية هذه تحديا لهم وللقانون الدولي. كل هذه التحذيرات، إلا أن الحكومة التركية تواصل إطلاق عمليات التنقيب بشكل متجدد، في حين أن الأوروبيين يتجهون إلى العقوبات ضد أنقرة.
وأولى العقوبات التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على تركيا، وقف المحادثات عالية المستوى مع أنقرة، بما في ذلك تعليق المفاوضات الرامية لإبرام اتفاقية للنقل البحري، إضافة طبعا إلى تجميد تمويل أوروبي في العام المقبل، وتقليص المساعدات. وهي عقوبات ستؤثر بصورة خطيرة في الاقتصاد التركي الذي يعاني أصلا انكماشا خطيرا، وارتفاع نسبة التضخم إلى معدلات كبيرة، إضافة طبعا إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، وهروب متواصل للاستثمارات الأجنبية في البلاد. وكانت آخر ضربة لهذا الاقتصاد، إقدام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عزل حاكم البنك المركزي التركي، لأن الأخير رفض خفض الفائدة، منطلقا من ضرورة إبقائها على مستواها الحالي لخدمة الاقتصاد المتهاوي.
واللافت أيضا في الخطوة الأوروبية، أن بنك الاستثمار الأوروبي، بدأ في إعادة النظر في كل الاتفاقيات الموقعة بينه وبين الحكومة التركية، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية على هذا البلد. والمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، فالأوروبيون عازمون على إضافة مزيد من العقوبات في المرحلة المقبلة، إذا ما واصلت تركيا تحدي المجتمع الدولي بالتنقيب غير المشروع عن الغاز في المتوسط. ولإضافة مزيد من العدالة على الخطوة الأوروبية هذه، فإن الاتحاد الأوروبي سيستهدف الكيانات والأشخاص الذين هم على ارتباط مباشر بعمليات التنقيب المشار إليها. هذا التوجه الأوروبي سيضرب بعمق كل الجهود التي تبذلها حكومة أردوغان لتعزيز الاتحاد الجمركي مع الكتلة الأوروبية. وتعتمد أنقرة بصورة كبيرة على هذا التعاون الجمركي، لأنه يفسح المجال واسعا أمام الصادرات التركية للقارة الأوروبية.
يضاف إلى هذا المشهد المأساوي، موقف المجتمع الدولي المتصاعد ضد الحكومة التركية فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان التي تتبعها هذه الحكومة منذ سنوات، وخصوصا في العامين الماضيين. بما في ذلك ارتفاع عدد المعتقلين بلا محاكمة، وملاحقة أعداد كبيرة من الأشخاص، دون وجود تهم حقيقية لهم. ناهيك عن الانتهاكات التي تستهدف المعتقلين في السجون التركية، بما في ذلك تعرضهم للقتل، والإخفاء وغير ذلك من الممارسات التي تحرمها اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية. والمشكلة التي تواجه أنقرة، أنها تقوم بالتنقيب عن الغاز في منطقة لم يتم التوصل فيها إلى سلام، بين تركيا واليونان. علما أن أنقرة غزت الجزيرة القبرصية في عام 1974. لن يتوقف الاتحاد الأوروبي هذه المرة عند حدود معينة في الإجراءات التي سيتخذها ضد تركيا. فإما وقف أعمال التنقيب غير المشروعة، أو تلقي مزيد من العقوبات القاصمة.

إنشرها