الحقوا على تاريخنا الاقتصادي

|

عند قراءة التاريخ الاقتصادي للبشرية سيلاحظ القارئ أن النظريات الاقتصادية والأفكار نتجت كردة فعل "في الأغلب" للواقع الاجتماعي والاقتصادي. ولهذا ولعدة أسباب أخرى، يجب دراسة وقراءة التاريخ الاقتصادي لفهم أصول نشوء وتطور النظريات الاقتصادية وفهم كيف أثرت هذه النظريات وما تبعها من آليات تطبيقية وسياسات اتبعها صناع القرار في الواقع الاقتصادي، وهل أسهمت في حل المشكلات التي من المفترض أن تحلها أو أسهمت بشكل عام في تحقيق الأهداف التي وضعت لها، سواء على الاقتصاد الكلى أو الجزئي؟


خلال الـ87 سنة الماضية، وهي تاريخ الدولة السعودية الثالثة، مررنا بتطورات اقتصادية قوية ولمدى زمني قصير، من مجتمع بسيط يعتمد على الرعي والزراعة والتجارة بشكل بسيط، إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم. بدأت أهم وأقوى هذه التطورات على الإطلاق باكتشاف النفط الذي غير وجه السعودية الاقتصادي والاجتماعي حتى السياسي. نحن نحتاج إلى من يعمل على دراسة التطورات الاقتصادية بشكل مكثف خلال الـ80 عاما الماضية، وكيف أثرت في الحياة الاجتماعية، وكيف تعامل الناس معها؟ هذه الدراسة يجب أن تأخذ في الحسبان التأثير في مستوى الأسعار والتضخم ومستوى الإنفاق الاستثماري، وفي السياسة النقدية والإنفاق الحكومي.


من المهم كذلك، دراسة السياسات المالية والخطط الاقتصادية التي كانت تطبق، مثل الخطط الخمسية، وماذا كانت تهدف إليه؟ وما أثرها والنتائج التي تحققت؟ أعتقد أننا سنتعلم كثيرا وكثيرا من الدراسة المتعمقة لهذه الخطط وتطبيقاتها وآثارها ونتائجها أيما كانت، فلقد تم تطبيق عديد من الخطط الخمسية، التي كانت تحت ظروف اقتصادية وعالمية ومحلية مختلفة، وكان عديد منها يهدف إلى إيجاد تنوع في الاقتصاد. اليوم لا نجد دراسة مستفيضة "بحسب علمي" عن هذه الخطط وآثارها ومدى نجاحها. ورصد وتوثيق حالة الرخاء والإنفاق في بداية دخول النفط بشكل قوي ضمن إيرادات الدولة وكيف أسهمت في صعود العقار بشكل صاروخي، ما أنتج ظهور وتطور عديد من الأسماء العقارية المعروفة اليوم، ومن ثم انهيار العقار بعد ذلك، ثم حالة التقشف التي تلت حرب الخليج الثانية، بسبب الهبوط الكبير في أسعار النفط، وبالتالي ضعف مداخيل الدولة والتحولات الاقتصادية التي نتجت منها.


كذلك على مستوى السياسة النقدية، يجب أن يتم اشتمالها بالدراسة التاريخية وربطها مع السياسات المالية من أول إصدار لعملة سعودية في عام 1932 حتى إصدار أول ريال ورقي بالفئات المتعددة في عهد الملك سعود، وكيف أسهمت السياسات النقدية في الحياة الاجتماعية، وإيصالات الحجاج، والأهداف التي تم الإصدار بناء عليها، وتاريخ البنوك السعودية وتطورها وتأثيرها الضخم في الاقتصاد، وكذلك دراسة سعر صرف الريال، كيف تم وكيف تغير، والثبات عليه عند هذا المستوى منذ أكثر من 30 عاما، وتاريخ وتوثيق المضاربات على الريال في أوقات الأزمات لتوقع انخفاضه الحتمي من قبل المضاربين، وكيف تم الدفاع عنه من قبل مؤسسة النقد، ومستوى الدين المرتفع والخطير الذي وصلت إليه الدولة في أواخر التسعينيات، وتحذير المؤسسات الدولية منه، والانهيارات التي وقعت لبعض البنوك وكيف تم إنقاذها.


كذلك التطورات التي حصلت في أسواق الأسهم والارتفاعات والانهيارات التي حدثت "ليس فقط انهيار 2006"، منذ البداية، حيث كان يتم تداولها بشكل غير رسمي وعبر مكاتب عقارية وغيرها، وتأثير الاكتتابات في جذب المتداولين وإنشاء الهيئة، وكيف أسهمت في تطور السوق لتصل اليوم إلى أن تكون أهم وأكبر سوق في الشرق الأوسط منفتحة على المستثمرين الأجانب وتصنف سوقا ناشئة.


لا ننسى كذلك الصناديق التمويلية التنموية، مثل الزراعي والصناعي والعقاري، بداياتها، وكيف أسست وتطورت وغيرت من الوضع الاقتصادي بكامله، وتوثيق بعض الأحداث السياسية وكيف أثرت في الوضع الاقتصادي، مثل قرار إبعاد عمالة من جنسية عربية في أوائل التسعينيات، وكيف أثر في قطاع العقار، خصوصا القطاع التجاري، وهو حالة مشابهة مع اختلاف الأسباب لما يحدث اليوم من تصحيح لوضع الوافدين وآثاره على القطاع العقاري، كذلك قرار وقف تصدير النفط في السبعينيات، وأثر شركة أرامكو الكبير في الاقتصاد، وأثر نشوء وتأسيس قطاع صناعات البتروكيماويات، وتأسيس مدينتي الجبيل وينبع، من بعدها قرار تأسيس المدن الصناعية وتأثيرها في تطوير الصناعة.


هناك كثير من المظاهر والأحداث التي وقعت، يجب توثيقها منذ بدايتها حتى نهايتها، مثل المساهمات العقارية، ومساهمات النصب مثل بطاقات سوا وغيرها، التي أثرت في ثروات أغلب الأسر السعودية. هناك كثير وكثير من المظاهر والأحداث والقرارات التي حدثت وانتهت، لكن آثارها باقية حتى اليوم، وحاضرة في ذاكرة من عايشها، لكن في حاجة إلى من يدرسها ويوثقها، وما ذكرته ما هو إلا اجتهادات مما يحضرني الآن، فهناك أكثر مما ذكرته يستوجب الوقوف عنده ودراسته وتوثيقه.


أعلم أن هناك توثيقا لبعض هذه التطورات، مثل تاريخ العملة السعودية من قبل مؤسسة النقد وغيرها، لكن لا توجد دراسة وافية تجمع كل هذه الجوانب وتأخذها ضمن المسار الاقتصادي الشامل وكيف أثر كل جانب في الآخر، وفي النهاية كيف أسهمت في تشكل الاقتصاد وأثرت في الوضع الاجتماعي، سواء من حيث التأثير في الرفاهية الاجتماعية وزيادة الدخل، وبالتالي زيادة عدد أفراد الأسرة السعودية في بدايات الرخاء والانفجار السكاني، وبالتالي تغير التركيبة السكانية بسرعة، وغيرها. ولعل مثل هذا العمل الضخم، يجب أن يتم بمبادرة حكومية بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية لإيجاد توثيق متكامل يرصد التطور الاقتصادي والاستفادة من وجود أشخاص ممن عايشوا وأسهموا في كثير من هذه الأحداث والقرارات، من وزراء مالية لفترات سابقة وغيرهم من الوزراء، أو محافظي مؤسسة النقد ومديري مؤسسات مالية، كالبنوك، وتجار ممن أثرت هذه القرارات في بداية وتطور تجارتهم. أنا متأكد أننا سنحصل على كنز معرفي وتاريخ لا يمكن تدوينه بهذا الشكل إذا تأخرنا أكثر.

إنشرها