سيرة مالية ناقصة

|


تحدثت قبل بضعة أسابيع عن السير الذاتية للناجحين ماليا، وكيف يجب أن يكون النموذج الناجح المعتدل، الذي يبحث عن تحقيق أهدافه الحياتية والمالية. وهذا النموذج الشخصي الذي تحدثت عنه، تزدهر حياته في معظم مراحلها وخصوصا عند نضجها، أي بعد منتصف العمر إلى ما بعد التقاعد. في الجانب المقابل، تكثر النماذج السلبية التي لا تعد ناجحة ماليا. وعلى الرغم من أنني أحبذ البحث في النماذج الإيجابية لأنها تستحق الاقتداء والمتابعة، إلا أن النظر في النماذج السلبية مهم في واقعنا الحالي، لأنها كثيرة حولنا ويجب أن يتم استنكارها ليتحقق تجنبها والفرار منها.
السيرة المالية الناقصة تقوم على الإحباط وتغذيه. لا يقوم صاحبها بالضرورة بمبدأ "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"، وليس مسرفا مبذرا يلعب بالنقود ويسافر من مدينة إلى أخرى، وليس غارقا في الدين لحد الأحكام القضائية وإيقاف الخدمات وسوء السمعة. مشكلته بالتحديد أنه قليل الحيلة، ضعيف المبدأ، قليل المعرفة والمهارة، ويصل دائما في مسالكه إلى أبواب مغلقة، لا يعرف كيف يفتحها ولا يعرف بمن يستعين ليقوم بذلك. لذا، وعلى الرغم من قلة تبذيره، إلا أن أي مصروف استثنائي بسيط يؤثر في وضعه المالي لأشهر مقبلة. وربما يعجز بأسلوبه المعيشي الحالي عن تأسيس مسار استثماري معقول، ميزانيته بالسالب، ومتخمة بالديون الصغيرة التي تقوم بعمل الذباب إزعاجا وتشويها لخطته ومستقبله المالي.
فاتحة الحياة المالية لصاحب السيرة المذكورة بدأت عند الوظيفة الأولى، بعد الاتكال على غيره لفترة من الزمن – والديه على الأرجح. بدأ بمرتب متدن نوعا ما، ولكنه شعر بقدر كبير من الراحة والاستقلالية لأن دخله ارتفع فجأة واستقل فجأة. في الأغلب يكون صاحب هذه السيرة شخصا طقوسيا ببرنامج رتيب ومكرر، يستيقظ صباحا ويذهب إلى عمله، يرجع ويرتاح بعض الوقت، ربما أنجز بعض متطلبات المنزل، ثم يستقر مع أصدقائه في مجلسه اليومي. بقية الأيام مجرد كربون مستنسخ من سابقاتها. الاستثناء الوحيد أن لديه طقوسا سنوية يضع فيها كل ما يمكن أن يسمى مدخرات وتنشأ بعدها بعض الديون الجديدة، ولا تعود عليه بأي قيمة مستدامة. من هذه الطقوس السنوية السفر دوليا، وتجديد أثاث المنزل، وشراء الإلكترونيات الحديثة، وأحيانا تغيير المنزل المستأجر بالكامل والذهاب لمنزل مستأجر جديد.
يشعر هذا المحبط بأن سقف الحياة المالية محدود، والفرص الهانئة أرزاق لا يمكن السعي خلفها، وتغيير الحال يتطلب قدرات خارقة لا يمتلكها. شعوره الخداع بالرضا، يخيط له شركا لا يمكن الخلاص منه. كلما ضاقت عليه، استعان بإيمانه الذي يعتقد أنه كاف للبقاء في هذه الحياة. لكنه لا يعلم أن معتقداته لا قيمة لها إن لم تقرن بالجهد، وأن السعي شرط الرزق، وأن الدنيا مهارات لا يمكن أن تكتسب من مجلس يومي مكون من أشخاص لم يتغيروا منذ عشرة أو 15 عاما.
بعض التغييرات الحتمية تحدث في حياته بشكل مستمر ودائم، ولكنه لم يخطط لها ولا يلوم نفسه على ذلك، ربما لأن من حوله يمرون بتجارب مشابهة، على الرغم من أنه يتضرر من عدم استعداده بشكل كبير ويصبح أكثر إحباطا بعد كل موقف. من هذه التغيرات الحتمية التي تؤثر في واقع الفرد ماليا ويجب الاستعداد لها مبكرا التغييرات الاقتصادية. يعيش الفرد من 30 إلى 50 سنة من الحياة العملية الجادة في حياته، وهذه فترة طويلة مر فيها عديد من الأحداث الاقتصادية الطبيعية والاستثنائية، ستكون هناك أكثر من دورة في بعض القطاعات وربما عايش وتأثر ببعض الطفرات والحروب. من الطبيعي أن يصاب بالإحباط من لا يخطط ثم يرى عيانا كيف أن مستوى دخله لا يتأقلم مع التغييرات الاقتصادية، أو يرى أن مدخراته أصبحت عديمة القيمة مع مرور الوقت.
من التغييرات الحتمية الأخرى، اختلاف المستوى المعيشي والمتطلبات المالية من فترة زمنية إلى أخرى. فتكاليف تربية الأبناء وهم صغار تختلف عن تكاليف تعليمهم في مراحل متقدمة، وتكاليف تزويجهم – إذا تطلب الأمر - تختلف عن ذلك أيضا. وفي مرحلة لاحقة، يكتشف الشخص أن لديه احتياجات معينة أثناء التقاعد سواء كانت استجمامية أو خيرية أو ضرورية أسرية، لم تكن في الحسبان في وقت مبكر. هذه تغييرات طبيعية في الاحتياجات يمكن الإعداد لها بشكل سهل نسبيا إذا اكتسب الشخص القدرة على التخطيط للأمور البعيدة زمنيا. لكن بالتأكيد صاحبنا المحبط لم يقم بذلك. جل ما يقوم به هو التجاهل بين الضربات، تأتيه الضربة المالية لتفاجئه فيتجاهل أثرها حتى موعد الضربة التالية، محبطا من واقعه عاجزا عن التصرف، وهذا ليس صبرا يتبعه فرج، بل هو صبر على الخيبة.

إنشرها