الأوقاف للتنمية المستدامة

|

مع شهر رمضان يتسابق عديد من المؤسسات المتخصصة في العمل الخيري لطرح مشاريعها الوقفية، لاستثمار هذه المناسبة الدينية في تحقيق أهدافها لتنمية الوقف. وجود الأوقاف ونموها بشكل يحقق لها الاستدامة أمر جيد لمصلحة المجتمع، لكن حصر الوقف في شكل استثمارات عقارية تدر دخلا لتلك المؤسسات لا يحقق المنفعة المرجوة من الوقف، وتطبيق المفهوم لا يتسق مع مفهوم الوقف الذي يقوم على مفهوم "حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح" (الخوجة، 1996). فكثير من الأوقاف القائمة تنطلق من مبدأ العائد المالي الثابت، وليس من مبدأ إيجاد مشاريع تعود بالفائدة على المجتمع.
وفي ظل تبني مفهوم التنمية المستدامة sustainable development وشمولية هذا المفهوم يمكن أن تكون الأوقاف حلا لكثير من قضايا التنمية المستدامة، من خلال تفعيل التنظيمات والتشريعات القادرة على تحقيق حوكمة هذا النشاط. ودمج مفهومي التنمية المستدامة وهو "التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة" مع مفهوم الوقف Endowments حسب المفهوم الإسلامي الذي يعني "حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على مصرف مباح". سنجد أن الوقف يحقق أهدافا مشتركة بين المفهومين من أجل تحقيق المشاركة والنفع الجماعي المستدام. ولا شك أن الوقف قد مر في العالم الإسلامي بمراحل عديدة واجهت في مجملها ضعف آليات الإدارة والرقابة عليها "الحوكمة"، ما جعل جزءا كبيرا من هذه الأوقاف يندثر ويختفي أثره. وإن كان هناك بعض النماذج التي ما زالت من عهود قديمة ناجحة بفضل ما وجدته من رعاية واهتمام على مر العصور.
من هنا يمكن القول، إن الأوقاف قادرة على تحقيق مفاهيم التنمية المستدامة، من خلال دمج المفاهيم والخروج بنماذج تنموية تعود بالنفع على المجتمع. وهنا يظهر دور الجهات التنظيمية في هذا المجال من أجل تفعيل دور الوقف، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المحلية وموافقتها مع الأهداف العالمية. فالأوقاف يمكن أن تكون من أهم أدوات تحقيق التنمية المستدامة، وقد استفاد من ممارسة مفهوم الوقف كثير من الدول الإسلامية وغيرها من دول العالم، وأصبحت من أدوات المشاركة المجتمعية التي تهدف إلى بناء المجتمع وتحقيق تنميته بإيجاد فرص تسهم في حل قضايا المجتمع وتلبية احتياجاته التطويرية.
ويمكن أن يشترك الوقف في توفير مشاريع التنمية التي تخدم النشاطات التنموية في مجالات التعليم، والصحة، والطرق، وتوفير الفرص الوظيفية وتنمية المواقع السياحية وأمور الحياة العامة وغيرها، من خلال تطوير نموذج لإشراك الممولين والملاك والمتبرعين في نموذج الوصاية على الأوقاف والرقابة على عمل مجالسها، والتأكد من فعاليتها في أداء المهام الموكلة إليها.

إنشرها