الاقتصاد الإيراني وهاوية الانهيار

|


لا توجد أي مؤشرات على إمكانية أن يتوقف الاقتصاد الإيراني عن تدهوره المتسارع. ورغم كل التصريحات "العنترية" التي تصدر بين الحين والآخر عن أركان النظام الإرهابي في طهران، فهذا الاقتصاد الذي يدخل عامه الثاني بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، يمضي نحو الهاوية، وزادت أزماته بالطبع في أعقاب فرض واشنطن العقوبات على هذا النظام بصورة تدريجية، بما في ذلك تلك التي تستهدف إيصال الصادرات الإيرانية من النفط إلى الصفر. بل مضت أبعد من ذلك، بإلغاء الاستثناءات الخاصة لثماني دول، التي سمحت لها سابقا باستيراد نفط إيران. أي أن العقوبات صارت محكمة تماما، ولا تتوقف عند حدود معينة، وهي جاهزة بصور جديدة إذا ما تتطلب الأمر ذلك.
وفق صندوق النقد الدولي، فاقتصاد إيران سينكمش 6 في المائة في نهاية العام الحالي، بعد أن فقد الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 3.9 في المائة في العام الماضي. ومن المرجح أن يهبط هذا الاقتصاد بأكثر من التقديرات السابقة، وذلك متأثرا بالمنع الكامل لتصدير النفط الذي بدأ في الشهر الماضي. الأزمة الاقتصادية الراهنة في إيران هي الأسوأ قاطبة في تاريخها الحديث، وأقسى من تلك التي ضربت البلاد مطلع العقد الجاري، عندما تعرض نظام علي خامنئي الإرهابي لسلسلة من العقوبات الدولية، قبل إبرام الاتفاق النووي في عهد إدارة باراك أوباما. علما بأن جميع الدول المعنية فرضت العقوبات المذكورة وقتذاك، بمن فيها الدول الأوروبية، التي لا تزال تسعى اليوم إلى حلول وسط مع هذا النظام.
غير أن الأمور لا تمضي كما يرغب الأوروبيون. فقد تعرض اقتصاد إيران لضربات متلاحقة من شركات ومصارف أوروبية كبرى، بعد أن انسحبت من السوق الإيرانية، خوفا من الغضب الأمريكي الذي يلحق بها أضرارا فادحة عن طريق فرض غرامات وتقديمها للمحاكمات أيضا. فالمسألة واضحة، على إيران أن تقبل بإعادة التفاوض على الاتفاق النووي المشار إليه، بما يضمن عدم تمكنها نهائيا من الاستحواذ على أي قوة نووية توفر لها أساسا قوة عسكرية تخريبية مدمرة. ناهيك عن تحرك الولايات المتحدة الساعي لوقف تدخلات نظام الملالي في الدول المجاورة وتمويل الإرهاب، ودعم منظمات خارجة عن القانون الدولي. ولذلك، وجدت واشنطن ضرورة الخنق المالي لنظام علي خامنئي بأي وسيلة ممكنة.
في ظل العقوبات الراهنة انخفضت قيمة الريال الإيراني في غضون عام أكثر من 57 في المائة، الأمر الذي رفع تلقائيا معدلات التضخم إلى 51 في المائة على أساس سنوي. هذا الوضع أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بحدود 70 في المائة، وهي نسبة كبيرة جدا لم يسبق لها مثيل منذ وصول الملالي إلى الحكم في البلاد. وعمق الوضع مصيبة البطالة المرتفعة أصلا حتى قبل العقوبات، في حين تراجعت الخدمات العامة بصورة مخيفة، مع ارتفاع متواصل للإيرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر. لا مفر أمام طهران من هذا الخنق المالي-الاقتصادي. فإما أن تمتثل لإرادة المجتمع الدولي، وإما أنها ستمضي قدما نحو الهاوية. إنها تعيش اليوم بالفعل على حافة هذه الهاوية، مع ضرورة الإشارة إلى أن واشنطن أكدت في غير مناسبة، على أنها لا تستهدف الشعب الإيراني، بل ما يجري حاليا من خنق للنظام، يصب في مصلحة هذا الشعب الضحية الأولى المباشرة له.

إنشرها