المشراق

بكى طربا نحو اليمامة

قال الجاحظ: "ومما يؤكد ما قلنا في حب الأوطان قول الله عز وجل: «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم»، فسوى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم". وقال آخر: "من أمارات العاقل بره لإخوانه، وحنينه إلى أوطانه، ومداراته لأهل زمانه". وقال أبو تمام:

كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل

هذا بعض ما قيل في الحنين إلى الأوطان. وحنين شاعرنا يحيى بن طالب الحنفي كان لأول منزل، في اليمامة، في وادي قرقرى، بجوار مدينة ضرما اليوم.
عاش يحيي بن طالب الحنفي في القرن الثاني الهجري، وكان شيخا كريما يقري الأضياف ويطعم الطعام، فركبه الدين الفادح، فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص من بغداد إلى اليمامة، فشيعه يحيي بن طالب، فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيي وأنشأ يقول:

أحقا عباد الله أن لست ناظرا
إلى قرقرى يوما وأعلامها الخضر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة
دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
أقول لموسى والدموع كأنها
جداول ماء في مساربها تجري
ألا هل لشيخ وابن ستين حجة
بكى طربا نحو اليمامة من عذر؟
كأن فؤادي كلما مر راكب
جناح غراب رام نهضا إلى وكر
يزهدني في كل خير صنعته
إلى الناس ما جربت من قلة الشكر
فيا حزنا ماذا أجن من الهوى
ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر
تعزيت عنها كارها فتركتها
وكان فراقيها أمر من الصبر
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق