الإبل ما بين عراقة الماضي وأسرار الحاضر

|


هناك موضوعات مهمة في المملكة العربية السعودية خصوصا، ودول الخليج العربي والدول العربية عموما، ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر وتمنح أولوية في مجال البحث العلمي، وهي "النخلة" و"الإبل" و"الطاقة الشمسية"، لأن هذه المسائل الثلاث من أبرز السمات التي ارتبطت بها هوية العربي في شبه الجزيرة العربية واعتمد عليها في حياته في الماضي، ولا يزال في الحاضر، وستبقى عناصر مهمة في التنمية المستدامة في المستقبل، إن قمنا بتطويرها وتعظيم الاستفادة منها باستخدام البحث العلمي والتقنيات الحديثة.
والإبل ارتبطت ارتباطا وثيقا بحياة إنسان الجزيرة العربية منذ القدم، لدرجة تخصيص مقابر خاصة وجدت - كما يذكر الدكتور الذييب في مقالة عن الإبل عبر الحضارات - في قرية الفاو في جنوب منطقة الرياض، وكذلك في الظهران، والإمارات والبحرين واليمن. ومن دلائل شدة ارتباط الإبل بحياة الإنسان أن أعرابيا سأل النبي - عليه الصلاة والسلام - "أفي الجنة إبل؟ فقال الرسول - عليه الصلاة والسلام: إن يدخلك الله الجنة كان لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك"، وعلاوة على ذلك، فقد عثر على تماثيل للإبل من الطين والنحاس موغلة في القدم، تعود إلى الألف السادسة قبل الميلاد.
سررت كثيرا بحضور اللقاء العلمي الثاني الذي بادرت"الجمعية السعودية لدراسات الإبل" مشكورة بتنظيمه قبل يومين، وتناول بعض الجوانب الصحية لألبان الإبل في معالجة نقص فيتامين (د) والسكري، وكذلك رصد براءات الاختراع المسجلة في المجال الصحي، إلى جانب دراسة سلوكها في الرعي، والأهمية الاقتصادية لها في إنتاج اللحوم الحمراء والإسهام كذلك في الأمن الغذائي. كما خصصت جلسة علمية لعدد من الموضوعات المهمة والشيقة مثل الأحكام الفقهية المتعلقة بالإبل، ودلالات رسم الجمل في عباءة تتويج روجر الثاني، وكذلك الجانب القتالي للجمل، ورصد ما ورد من إشارات للإبل في كتابات بعض الرحالة الأجانب مثل "موزيل" وغيره.
وعلى الرغم من الاهتمام الكبير بالإبل في مسابقة "المزايين" التي لقيت إقبالا كبيرا، وتنظيما رائعا خلال السنتين الماضيتين، فإن الدراسات العلمية الجادة سواء من النواحي العلمية والطبية أو النواحي الاقتصادية والاجتماعية، لا تزال قليلة ودون الطموح، فهناك تساؤلات كثيرة دون إجابات علمية موثوقة حول سلوكياتها وفوائد منتجاتها الغذائية والطبية، ناهيك عن دراسات جدوى تصنيعها على نطاق واسع وتسويقها، وهنا يبرز في الذهن التساؤل التالي: هل ننتظر الدول الأجنبية لتقوم بهذا الدور نيابة عنا، ونحن المعنيون بها والمعروفون بها وبتراثها؟! فعلى سبيل المثال، لا تزال الجوانب العلاجية لألبانها ولحومها وأبوالها غير مؤكدة، خاصة مع كثرة ما ينسج حولها من قصص وأقاويل لا تخلو من المبالغة في بعض الأحيان، ولا تزال سلوكياتها الرعوية غير معروفة خاصة ما يلاحظ من تجريدها للأشجار من لحائها ومن ثم تعريض الأشجار للجفاف والموت، ولا يزال ملف "كورونا" مفتوحا.
على الرغم من المبادرة المشكورة لوزارة البيئة والمياه والزراعة لإعداد قاعدة بيانات خاصة بالإبل وملاكها، وعلى الرغم من بعض الدراسات في بعض الجامعات، خاصة في جامعتي الملك سعود والملك فيصل، فإن الحاجة ملحة إلى مزيد من الجهود سواء في مجال البحث العلمي أو الاستثمار المستدام، أو جمع تراث الإبل، وإعداد أفلام وثائقية حولها وحول سلوكياتها مع بعضها من جهة، ومع الإنسان من جهة أخرى. بوجه عام، نحن في المملكة العربية السعودية أكثر الشعوب صلة واهتماما بالإبل، لذلك نتحمل المسؤولية أكثر من غيرنا، ويجب أن نكون سباقين لدراستها وفهمها وتعظيم الاستفادة منها من النواحي الطبية والاقتصادية والاجتماعية والترفيهية مع ضرورة الاستفادة من التقنيات الحديثة في تتبعها، ورصد سلوكياتها، ومراقبة صحتها، وتوثيق أنواعها وسلالاتها، وتسجيل أعدادها وأماكن تركزها، والمصطلحات الشعبية والعلمية المرتبطة بها.

إنشرها