هل تحولت «أوبك» إلى «أوبك +»؟

|


منذ دخولي معترك الصحافة وقيامي بتغطية أخبار النفط، وأنا أقرأ وأسمع بين الفينة والأخرى أن "أوبك" -منظمة الدول المصدرة للنفط- لم تعد فاعلة أو صارت شبه ميتة.
كان ذلك قبل نحو ثلاثة عقود وقعت فيها أحداث كثيرة وشهدت فيها أسواق النفط عدة مرات صعودا قياسيا وهبوطا حادا في الأسعار.
وإن أردت أن أوجز ملاحظاتي حول كيف ينظر العالم إلى منظمة أوبك، لكان جوابي بسيطا، وهو أن النفط كان قبل ثلاثة عقود ولا يزال لولبا مهما في عجلة الاقتصاد العالمي. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإن الدول المستهلكة للنفط وماكينتها الإعلامية، تنظر إلى "أوبك" باستخفاف عندما تصاب الأسواق بالتخمة نتيجة فيضان الإنتاج الذي في الغالب يتبعه انهيار في الأسعار.
ولكن سرعان ما تتغير البوصلة وتبدأ هذه الدول وماكينتها الإعلامية النظر إلى "أوبك" كمنظمة مهابة الجانب، حال أن يلتئم أعضاؤها لتصويب مسار الأسعار، وذلك بتخفيض الإنتاج وتطبيب داء التخمة لإيجاد توازن بين العرض والطلب. وعلى المنوال ذاته، تنسج الدول المستهلكة الغربية وماكينتها الإعلامية المواقف الأخرى من منظمة أوبك.
"أوبك" تصبح منظمة قائمة على الاحتكار وحلب المستهلكين في أغلب السرديات الصحافية والسياسية الغربية عند غليان الأسعار. وعندما تمور الأسعار ترى السرديات هذه في "أوبك" فريسة سهلة كي تضع على عاتقها ومسؤوليتها كثيرا من الأزمات المالية والاجتماعية التي تمر بها. وتغفل السرديات هذه لا بل تنسى ما كانت تجتره من أطر خطابية سلبية وسيئة حول المنظمة، عندما تهبط الأسعار في محطات الوقود، وتنخفض نسبة العجز أو قد تحقق الموازنة فائضا على إثره.
وأنا أحاول أن أقيم هذه الفترة ذات العقود الثلاثة، لا بد وأن أضع أمام القارئ حقيقة أخرى ذات علاقة مباشرة بالنفط وتسويقه وسعره، ألا وهي الجيوبوليتيكا أو الجغرافيا السياسية.
ربما لم يعرف العالم بضاعة تتحسس لواقع الجغرافيا والسياسة مثل النفط. الحروب والمشكلات التي تعصف بالدول المنتجة، وتؤدي في النهاية إلى تخفيض إنتاجها تحتم على الدول المستهلكة الغربية "وهي دول قوية" السير على حبل مشدود في تعاملها مع الدول النفطية.
والصراع، أيا كان نوعه، له وقعه وانعكاساته ومضاعفاته خارج نطاق الوطن والإقليم إن كان مركزه دولة نفطية. الأحداث في السودان ليس لها الوقع ذاته إقليميا ودوليا مثل الأحداث في فنزويلا أو الجزائر.
ونظرة متفحصة للعقود الماضية تظهر أن "أوبك"، رغم محوريتها في إنتاج النفط، كانت على الدوام تتحسس لاستكشاف وإنتاج النفط في المناطق والدول الأخرى.
ولأن النفط مادة استراتيجية تدر ربحا وفيرا لأصحابها، لم تأل الدول المستهلكة وغيرها جهدا في البحث والتنقيب عنه.
ولكن الملاحظ أن كل اكتشاف جديد وزيادة كبيرة في الإنتاج لدى الدول خارج المنظمة يعقبه ما يشبه المناحة في السرديات الصحافية الغربية على "أوبك" ومكانتها.
أغلبنا يتذكر اكتشاف النفط في بحر الشمال والتوقعات الكبيرة التي رافقته، وكيف أنه قد يحد من احتكار منظمة أوبك على الأسواق والأسعار.
ونستشف من قراءتنا لهذه الفترة أن سوق النفط سريعة التقلب، ولن تبقى على حال. والتقلب معناه فقدان الطمأنينة والاستقرار، الخاصيتين المهمتين لأي تنمية مستدامة.
وإن أمعنا النظر في العقود الماضية التي احتل فيها النفط مركز السلع الأكثر أهمية في العالم، لرأينا أن الطمأنينة والاستقرار والتوازن في الأسواق في أي فترة من الفترات لما كان يحصل دون جهد من قبل السعودية، المنتج الرئيس للنفط في العالم.
وإن وضعنا هذا التحليل المبسط للوقائع في العقود الثلاثة الماضية ضمن سياق الحاضر، لاكتشفنا أننا أمام وقائع أو أحداث قد تختلف عما شهدته السوق النفطية في السابق.
هناك تطور مذهل في تكنولوجيا الاكتشاف والاستخراج إلى درجة أننا دخلنا الإنتاج الواسع خارج نطاق المصادر التقليدية التي لا تزال دول "أوبك" تتكئ عليها.
دخلنا عصر إنتاج النفط وبكميات تجارية وفيرة ليس من حفر آبار تقليدية بل من الرمل والصخر، اللذين يوجدان بكميات تفوق كثيرا ما لدى كل دول "أوبك" من احتياطي.
لا نستطيع التكهن بمآل إنتاج النفط من مصادر غير تقليدية، بيد أن هذا الإنتاج صار واقعا لا بد من التعامل معه بواقعية ومنطق السوق والأسعار والعرض والطلب.
ومن هنا كان قرار السعودية ضم منتجين تقليديين آخرين إلى حلبة الإنتاج وتحديد الأسعار ضمن منظمة أوبك قرارا صائبا وحكيما.
ولا أظن أن المنتجين الآخرين من خارج "أوبك"، مثل روسيا وغيرها لم يغتبطوا لقرار المملكة الشروع في التعاون والمؤازرة لدرء مخاطر تهاوي الأسعار.
وهكذا صرنا أمام "أوبك +"، وهي صارت واقعا جديدا ستترقب مساره الدول المستهلكة ومعها سردياتها الصحافية.

إنشرها