«التستر» ثقب أسود في الاقتصاد

|
كاتب ومستشار اقتصادي


حققت وزارة التجارة نجاحا كبيرا ومتواصلا في مكافحة الغش التجاري طوال الأعوام الثمانية الماضية، واستخدمت في حملتها لمكافحة الغش التي بدأتها في عهد وزيرها السابق توفيق الربيعة، واستمرت عليها في عهد وزيرها الحالي ماجد القصبي، التقنية الحديثة في تلقي البلاغات من المواطنين؛ وكافأت المبلغين بجزء من الغرامات؛ وهو ما ساعد كثيرا في نجاح الحملة، وبالتأكيد لا يمكن أن تنجح أي جهود رقابية للحكومة دون دعم المواطنين لها بالإبلاغ عن المخالفات؛ فلا يمكن تأمين مراقب حكومي على باب كل دكان.
الأسبوع الماضي أعلن الدكتور ماجد القصبي وزير التجارة، إطلاق حملة لمكافحة التستر التجاري تبدأ الأسبوع المقبل، وتشترك فيها ثماني جهات حكومية، هي- إضافة إلى وزارة التجارة- وزارة الداخلية، وزارة العمل، وزارة الشؤون البلدية والقروية، الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، الهيئة العامة للزكاة والدخل، مؤسسة النقد، وهيئة الاستثمار.
الثلاثاء الماضي نشرت "الاقتصادية" خبرا منسوبا لوزارة التجارة قالت فيه إن "قيمة الغرامات المفروضة على المتسترين التي وردت للوزارة من المحاكم خلال عامي 2017 و2018، بلغت 10.5 مليون ريال"، والحقيقة أنه رقم صغير وضئيل لا يتجاوز "فكة" ريالات، مقارنة بحجم التستر التجاري الذي قدرته الوزارة في الخبر نفسه بين 300 و400 مليار ريال سنويا، بل هو دليل على غياب أي جهد يذكر لمكافحة التستر.
بالتأكيد التستر كجزء ضخم من حجم الاقتصاد الأسود لا يمكن تحديد حجم سوقه بدقة، فتقديره لا يعدو كونه تنبؤات، والوزارة تقول إنه بين 300 و400 مليار، وأنا أقول إنه يزيد على 500 مليار، وزيد يراه يتجاوز 600 مليار، وعمر يوصله إلى تريليون ريال سنويا، ولا أحد يستطيع أن يخطئ الثاني أو يثرب عليه، فحينما تغيب الأرقام الدقيقة فلا حقيقة ولا يقين وإنما تخرصات تصيب وتخطئ.
اقتصاديا، مع كبر حجم التستر لا يمكن التخطيط للاقتصاد، ولا لإيجاد الوظائف ولا لمعدل دوران العملة في الاقتصاد ولا لحجم المعروض النقدي المطلوب في السوق؛ فالتستر-مثل مثلث برمودا- ثقب أسود داخل الاقتصاد يبتلع ما في داخله؛ ويحوله بقدرة قادر وبطرق غير نظامية إلى خارج البلد، دون أن تستطيع الجهات المالية متابعته أو السيطرة عليه أو حتى معرفة نوع عملياته وحجمها بدقة.
وبذلك فالتستر يفسد دوران النقود وحلقة التدفق النقدي للسيولة التي تحرك أجزاء الاقتصاد، وتربط بين وحداته المختلفة بداية من المستهلك، لتاجر التجزئة، لتاجر الجملة، للمنتج، لتعود وتضخ مرة أخرى كدخول لعناصر الإنتاج التي أسهمت في العملية الإنتاجية- كما يعرف طالب سنة أولى اقتصاد.
التستر التجاري أيضا عدو لدود للتنمية الاقتصادية، فالتنمية الاقتصادية تهتم بزيادة الدخول الحقيقية للمواطنين مع مضي الزمن وتقليص معدلات الفقر وإعادة توزيع الدخول نحو طبقات الدخل الدنيا، وهذه الثلاث وغيرها لا يمكن أن يتحقق منها شيء بوجود التستر. فالدخل وزيادته سيذهب للمُتستَر عليه، ولن ينال السعودي المُتستر سوى الفتات، والفقر سيبقى على حاله لأن فرص العمل لن تذهب للمواطن، وإعادة توزيع الدخول سيكون أمرا صعبا مع خروج السيولة من الاقتصاد باتجاه بلدان المتستر عليهم.
ويبقى السؤال الأهم في هذا المقال، وهو: ما الجديد في الحملة الجديدة؟ وهل ستكون مثل الحملات السابقة التي ما إن تبدأ حتى تتوقف بعد يومين أو أسبوع من انطلاقها؟ شخصيا لا أتمنى ولا أعتقد ذلك، فنحن نعيش تحولا هيكليا اقتصاديا تمثل "الرؤية" فيه رأس السهم، وما لم يتم تنظيف السوق من التستر فلن تتحقق أهداف "الرؤية" أو بعضها، فلن تنخفض معدلات البطالة، ولن يصل معدل توظيف المرأة للهدف المعلن في "الرؤية"، ولن تنمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي يشكل التستر المهدد الأول لبقائها ونموها، وبالطبع لن يرتفع الدخل الحقيقي للمواطن، ولن ترتفع معه مدخرات الأسر السعودية، وبشكل عام يعد التستر التجاري من أهم التحديات التي تواجه "الرؤية" وبرامجها، ولذا فإن الأمل كبير في الحملة التي ستنطلق قريبا لمكافحته، وفي جديتها واستمراريتها للقضاء على هذه الآفة التي تنهش جسد الاقتصاد وتفسده وتحرم مواطنيه فرص الكسب والعمل.

إنشرها